للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إليه، وليس هو من باجة القيروان، ولد سنة ثلاث وأربعمائة، وارتحل سنة ست وعشرين، فحج أربعًا، وجاور ثلاثة أعوام ملازمًا لأبي ذر الحافظ الهروي، وكان يسافر معه إلى سراة بني سيابة ويخدمه، ثم رحل إلى بغداد، فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه، ويقر الحديث، ودمشق فسمع من جماعة: كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي والقاضي أبي عبد الله الحسين الصيمري، وأبي الفضل بن عمروس المالكي، وأقام بالموصل سنةً يأخذ علم العقليات عن أبي جعفر السمناني، وبرع في الحديث، وعلله، ورجاله، وفي الفقه، وغوامضه، وخلافه، وفي الكلام، ومضايقه، ورحل إلى الأندلس، وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا، وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب، وروى عنه الخطيب بعلم جم حصله مع الفقر والتعفف، وروى عنه الكبار، وتخرج به الأصحاب.

قال القاضي عياض: أجر أبو الوليد نفسه ببغداد لحراسة درب، وكان لما رجع إلى الأندلس يضرب ورق الذهب، ويعقد الوثائق. قال لي أصحابه: كان يخرج إلينا للإقراء، وفي يده أثر المطرقة إلى أن فشا علمه وهيبت الدنيا به، وعظم جاهه، وأجزلت صلاته حتى مات عن مال وافر، وكان يستعمله الأعيان في ترسلهم، ويقبل جوائزهم. ولي القضاء بمواضع من الأندلس.

قال ابن ماكولا: أما الباجي ذو الوزارتين أبو الوليد، ففقيه، متكلم، أديب، شاعر، سمع بالعراق، ودرس الكلام، وصنف، إلى أن قال: وكان رفيع القدر والخطر.

قال أبو علي ابن سكرة: ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحدًا على سمته، وهيأته، وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم، فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشامي، فقلت له: آدام الله عمرك هذا ابن شيخ الأندلس، فقال: لعله ابن الباجي، قلت: نعم، فأقبل عليه.

وقال القاضي: كثرت القالة في أبي الوليد لمداخلته الرؤساء، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره، فكان يبعث إلى خلفائه وربما أتاها المرة ونحوها، وكان في أول أمره مقلًا حتى احتاج في سفره إلى القصد بشعره، واستئجار نفسه مدة مقامه ببغداد فيما سمعته، مستفيضًا لحراسة درب، وقد جمع ابنه شعره. قال: ولما قدم الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة إلا أنه كان خارجًا عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه، واتبعه على رأيه جماعة من أهل الجهل، وحل بجزيرة ميورقة، فرأس فيها، واتبعه أهلها، فلما قدمها أبو الوليد

<<  <  ج: ص:  >  >>