حكموه في ذلك، فدخل إليه وناظره وشهر باطله. وله معه مجالس كثيرة، ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري، قال بظاهر لفظه فأنكر عليه الفقيه أبو بكر الصائغ، وكفّره بإجازة الكتب على الرسول ﷺ الأمي، وأنه تكذيب للقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبحوا عليه عند العامة، وتكلم به خطباؤهم في الجمع، فقال شاعرهم: [من البسيط]
برئتُ ممن شرى دنيًا بآخرةِ … وقالَ: إنَّ رسولَ اللهِ قَدْ كَتَبا
فصنف أبو الوليد رسالة من أن ذلك غير قادح في المعجزة فرجع بها جماعة.
قال ابن سكرة: مات بالمدينة في تاسع عشر رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة.
قال ابن بسام (١): وبلغني عن ابن حزم أنه كان يقول: لو لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب مثل أبي الوليد الباجي لكفاهم، وناظره بميورقة ففل غربه، وسبب إحراق كتبه.
توفي هو بسبيله في تصنيف الدواوين في علوم الدين.
وأنشد له (٢): [من المتقارب]
إذا كنتُ أعلم علمًا يقينًا … بأنَّ جميع حياتي كساعه
فَلِمْ لا أكون ضنينًا بها … وأجعلُها في صلاح وطاعه
ومما روى عنه الخطيب أبو بكر الحافظ قوله في قلم (٣): [من المتقارب]
وأسمر ينطقُ في مشيه … ويسكتُ مهما أمر القدم
على ساحة ليلُها مُشْرِقٌ … منيرٌ وأبيضُها مُدْلَهِمْ
وشبهته ببياضِ المَشيبِ … يُخالط منه سوادَ اللَّمَم
وقوله يمدح قاضي القضاة السمناني ببغداد، وكان قد أتاها من مكة المعظمة، فأناله ما أحسبه وأكسبه بقصيدة منها (٤): [من الكامل]
يا بُعْدَ صبرِكَ أَتهَمُوا أو أنجَدُوا … هيهات منك تصبر وتجلُّدُ
يأبى سلوك بارقٌ متألق … وشميمُ عَرْفِ عَرَارِه ومغرّد
في كل أفق لي علاقةُ خُلَّةٍ … تهدي الهدى وبكل أرض تمهد
(١) الذخيرة ٢/ ١/ ٩٦.
(٢) الذخيرة ٢/ ١/ ٩٨.
(٣) الذخيرة ٢/ ١/ ٩٨.
(٤) الذخيرة ٢/ ١/ ٩٩ - ١٠٠.