للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لها، والناس نيام، وورد حياضها، وهم حيام، فتحلَّت به للعلوم نحور، وتجلّت له منها حور، كأنهنَّ الياقوت المرجان، لم يطمثهن أنس قبله ولا جان، وقد ألحفته الأصالة رداءها، وسقته الجلالة أنداءها، وأزرت محاسنه بالبدر اللياح، وسرت فضائله سرى الرياح، فتشوفت لعُلاه الأقطار، ووكفت تحكي نداه الأمطار، وهو على اعتناء بعلوم الشريعة، واختصاصه بهذه الرتبة الرفيعة، يعني بإقامة أود الأدب، وتنسل إليه أربابه من كل حدب، إلى سكون ووقار كما رسا الطود، وجمال مجلس كما حلّيت الخُود، وعفاف وصون ما علما فسادًا بعد الكون، ورواء لو رأته الشمس ما تاهت بأضواء الخفر، أو كان الصبح ما لاح ولا أسفر.

قال ابن بشكوال: دخل الأندلس طالبًا للعلم، فأخذ بقرطبة عن جماعة، وجمع من الحديث، وكان له عناية كثيرة به، وبالاهتمام بجمعه وتقييده، وهو من أهل التفنّن في العلم. واستقضي بسبتة مدة طويلة فحمدت سيرته فيها، ثم نُقل عنها إلى قضاء غرناطة، فلم يطل أمده فيها.

صنف التصانيف المفيدة منها كتاب الإكمال في شرح مسلم، كمل به كتاب المعلم لأبي عبد الله المازري، وله كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» لم يسبق إلى مثله، وله «مشارق الأنوار في غريب الحديث المختص بالموطأ والبخاري ومسلم»، وله كتب أُخر.

وكان إمام وقته في الحديث وعلومه، والنحو واللغة، وكلام العرب، وأيامهم، وأنسابهم.

ومن نظمه قوله في جامات زرع بينها شقائق نعمان هبت عليه ريح: [من السريع]

أَنْظُرْ إِلَى الزَّرْعِ وَجَامَاتِهِ … تَحْكِي وَقَدْ مَاسَتْ أَمَامَ الرِّيَاحُ

كَتِيْبَةٌ خَضْرَاءَ مَهْزُوْمَةً … شَقَائِقُ النُّعْمَانِ فِيهَا جِرَاحٌ

ومنه قوله: [من البسيط]

اللهُ يَعْلَمُ أَنِّي مُنْذُ لَمْ أَرَكُمْ … كَطَائِرْ خَانَهُ رِيْسُ الجَنَاحَيْنِ

فَلَوْ قَدَرْتُ رَكِبْتُ البَحْرَ نَحْوَكُمُ … فَإِنَّ بُعْدَكُمُ عَنِّي جَنَى حَيْنِي

وأورد له العماد في الخريدة في لزوم ما لا يلزم: [من المتقارب]

إِذَا [مَا] نَشَرْتَ بِسَاطَ انْبِسَاطِ … فَعَنْهُ فَدَيْتُكَ فَاطْرِ المُزَاحَا

فَإِنَّ المُزَاحَ كَمَا قَدْ حَكَى … أُولُو العِلْمِ قَبْلِي عَنِ العِلْمِ زَاحَا

ومدحه أبو الحسن المالقي الفقيه بقوله: [من الكامل]

ظَلَمُوا عِيَاضًا وَهُوَ يَحْلُمُ عَنْهُمُ … وَالظُّلْمُ بَيْنَ العَالَمِينَ قَدِيمُ

<<  <  ج: ص:  >  >>