للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وضحك الأشرف ومن حوله. وطوى مهنا جوانحه على ألمها ثم إنه استأذن في الانصراف إلى بيوته فأذن له وقال: إلى لعنة الله! فأسرها مهنا في نفسه ولم يبدها.

وركب من وقته وتوجه إلى أهله، وأقام عندهم على حذر. ثم عاد الأشرف، ونزل بحماة، فبعث إليه مهنا بالخيل والجمال، فقبلها، وخلع على رسوله وبعث إليه خلعة سنية ليطمنه ثم يكبسه. فلما جاءت لبسها إظهارًا للطاعة وارتحل لوقته ضاربًا في وجه البر. فلم يتم للأشرف ما أراده منه وعاد إلى مصر وفي نفسه من إمساك مهنا وبنيه وإخوته. وظن مهنا أن لا حقد عنده فلم يلبث الأشرف أن خرج إلى الكرك، وخرج إلى دمشق، وخرج منها على أنه يصيد كباش الجبل.

ثم إن مهنا عمل له ضيافة عظيمة، فحضرها الأشرف وأكل منها. ولما فرغ ذلك أمسك مهنا ومعه جماعة، وجهزهم إلى مصر، وحبسهم ببرج في القلعة، وضيق عليهم إلا في الراتب لهم. وكان مهنا في الحبس لا يأكل إلا بعد المدة. وإذا أكل أكل ما يقيم رمقه، ويصلي الصبح، ويدير وجهه للحائط، ويصمت ولا يكلم أحدًا حتى تطلع الشمس. ثم يقوم بعجلة وسرعة، ويأخذ كفًا من حصى وتراب كان هناك، ثم يزمجر ويرمي به إلى الحائط كالأسد الصائل. فلما خرج الأشرف إلى الصيد ترك ذلك الفعل فقيل له في ذلك فقال: قضي الأمر! ولم ير متبسطًا إلا في ذلك الحين.

قال: وحدثني مظفر الدين موسى ولد مهنا قال: لما كنا بالاعتقال كان عمي محمد بن عيسى مغرى بدخول المرتفق والتطويل فيه، وكان المرتفق قريبًا لدور حريم السلطان ولبعض الأمراء، فقلت له في ذلك فقال: ياولد مهنا! لعلي أسمع خبرًا من النسوان فإنهن يتحدثن بما لا يتحدث به الرجال. فبينا نحن ذات يوم وإذا بمحمد قد خرج وقال: بشراكم! قد سمعت صائحة النساء تقول: واسلطاناه! فقلنا له: دعنا مما تقول! فقال: ما أقول لكم حق! وكان لنا صاحب من العرب تنكر وأقام بمصر فكان يقف قبالة مرمى البرج [الذي نحن فيه]، ويومئ إليه ونومئ إليه غير أنه لا يسمعنا ولا نسمعه، فلما كنا في تلك الساعة، ومحمد يحدثنا وإذا بصاحبنا قد جاء وأومأ، ثم مد يده إلى التراب وصنع فيه هيأة قبر، ونصب عليه عودًا عليه خرقة صفراء كأنها صنجق السلطان ثم نكسها وقعد كأنه يبكي، ثم وقف قائمًا ورقص. فتأكد الأمر عندنا بموت الأشرف. فلما فتح علينا من الغد سألنا الفتاح والسجانين فأنكرونا ثم اعترف لنا بعضهم، وكان ذلك أعظم سرور دخل على قلوبنا.

ولما خرجوا من السجن شكوا احتياجهم إلى النساء فأطلق لهم جماعة من [الجواري] الأشرفيات، ولم يكن مرادهم بذلك إلا التشفي. وأعيد الجماعة إلى أهلهم

<<  <  ج: ص:  >  >>