للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إلا مهنا فإنه أخر مدة ثم جهز. فلما خرج من دمشق لحقه البريد إلى ثنية العقاب (١) بأن يعود، فامتنع، وتوجه إلى أهله، وكانوا قد ندموا على إطلاقه. ثم إنه قدم مصر بعد ذلك مرات، وهو كالطائر الحذر الذي نصب له الشرك في كل مكان. وآخر مدة قدمها في آخر الدولة الناصرية الأخيرة سنة عشر وسبعمائة، وكان برلغي [الكبير] مملوك مهنا، وهو الذي قدمه، فلما وجده قد أمسك تحدث فيه مع السلطان وقال: هذا مملوكي وقدمته ليعطى إقطاعًا في الحلقة (٢) أعطيتموه فوق حقه حتى صار ملكًا من الملوك وأنا أريد أن تأخذ ماله كله ومماليكه وتعطيني إياه برقبته ليكون عندي إلى أن يموت! فوعد بذلك. ثم إن برلغى مات في ذلك الوقت فقيل له: قد مات فعزّ ذلك عليه عدم قبول شفاعته مع ما كان يمت به من سوابق الخدم.

ولما كان السلطان في الكرك فخرج مهنا، وقد طار خوفًا ورعبًا. ولما اجتمع بقراسنقر، وكانت بينهما صداقة قديمة مؤكدة، وكل منهما مستوحش، فجددا الأيمان والعهود على المضافرة وأن لا يُسلم أحدٌ منهما صاحبه. فلما توجه قراسنقر إلى حلب زاره مهنا، فخلا به مهنا فأقرأه قراسنقر كتابًا من السلطان فيه إعمال الحيلة على إمساك مهنا، فقال له مهنا: ما أنت صانع؟ فقال: أنا أطيعه فيك وأجاهره، وهو يجعلني دأبه ووكده فمن يحميني منه إذا قصدني؟ فقال له مهنا تجيء إلينا! فتحالفا على ذلك. ثم إن مهنا وفى لقراسنقر لما توجه إليه على ما هو معروف في موضعه حتى أن زوجة مهنا عائشة بنت عساف بالغت في خدمة قراسنقر، وكانت تقول لمهنا: يا مهنا ذكر الدهر لا تدعه! وكذلك محمد بن عيسى بن عليّ إلا فضل بن عيسى، أخو مهنا، فما كان رأيه إلا التقرب بإمساك قراسنقر والجماعة إلى السلطان فكانت عائشة تقول: تعسًا لأم ولدت الفضل بعد مهنا وعيسى!.

وكتب مهنا إلى السلطان يستعطفه ويقول: هؤلاء مماليكك ومماليك أبيك وكبار بيتكم، وقد هربوا من الموت وسألوا أن تكف عنهم وتجعل البيرة لقراسنقر، والرحبة للأفرم (٣)، وبهنسا (٤) للزردكاش. وإذا حضر مهم جامع للإسلام حضروا إليه وجاهدوا


(١) ثنيّة مشرفة على غوطة دمشق بينها وحمص «معجم البلدان ١/ ٩٣٦».
(٢) الحلقة: منظمة عسكرية مملوكية تتضمن أرباب السيوف غير المماليك مثل أبناء المماليك و - كما يتبين من هنا - أمراء قبائل العرب أيضًا.
(٣) هو آقش الأفرم الجركسي من مماليك قلاوون، وكان نائبًا في الشام (الدرر الكامنة ١/ ٤٢٤ - ٤٢٦).
(٤) معجم البلدان ١/ ٧٧٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>