لَذَّاته والمُتعة في قصوره بِجواريِهِ وقِيانه. وله أَرْبَاب دَولة ووظَائف، ينحو في أموره مَنْحَى صاحب مِصْر. يَتَسَمَّع أخباره ويحاول اقْتِفَاء آثاره في أحواله، وأوضاع دَولته، غير أنه لا يصل إلى هذه الغاية، ولا تَخْفَى عليه تلك الرَّأْية، لِقُصُور مَدَد بلادِهِ وقِلَّة عَدَد أجناده (١).
أخبرني أَقْضَى القضاة أبو الربيع سليمان بن محمد ابن قاضي القضاة الصدر سليمان الحنفي، وكان قد توجّه إلى اليمن وخَدَم في ديوان الجيش به: أَنّ مَجْموع جُنْد اليمن ما يَبْلُغ أَلْفَي فَارس، ويَنصاف إليهم من العرب الداخلين في طاعته مثلهم. وأَرَاني جَرِيدَتَهُ الموضُوعة لذلك فوقَفْت على بعضها وضاف وقتي عن الاستيعاب، وهي تَشْهَد بما قال (٢).
وصَاحِب هذه المملكة أَبَدًا يَرْغَبُ في الغرباء ويُحْسِن تَلَقِّيهم غاية الإحسان، ويَسْتَخدِمهُم فيما يناسب كُلًا منهم، ويتفقَّدهم في كل وقت بما يأخُذ به قلوبهم ويُوِطِّنهم عنده (٣).
وغالِب جُنده من الغرباء (٤)، وإذا دَعَت حاجةٌ أَحَد من جُنده وغِلمانِهِ وأهل خِدمته أجمعين إلى شيء وإن قَلَّ، كتب إليه قِصَّة يسأله حاجته فيها، فيُوقّع عليها بخَطِّهِ بإجابته إلى ما سأله أو إلى بعض ما سأله على ما يراه (٥).
وهو قليل التَّصَدّي لإقامة رسوم المَوَاكِب والخِدمة والاجتماع بولاة الأمور ببابه، فإذا احتاج أَحَد منهم إلى مراجعته في أَمْر، كتب إليه قِصَّة يستأمره فيها، فيكتب عليها بخَطِّه ما يراه، وكذلك إذا رُفِعَت إليه قِصَص المظالم هو الذي يكتب عليها بخَطِّه مما فيه إنصاف الشاكي (٦).
ورأيت علامة والد هذا السلطان القائم بها الآن على توقيع وهو على المُصْطَلَح المصري مماثله (٧).
الشَّاكِرُ للهِ على نعمائهِ داود
ولصاحب هذه المملكة البساتين والمُنْتَزَهات الحسنة، يَتَعَهَّدها في الأحيان،
(١) الصبح ٥/ ٣٥. (٢) الصبح ٥/ ٣٣. (٣) المصدر نفسه ٥/ ٣٤. (٤) المصدر نفسه ٥/ ٣٦. (٥) الصبح ٥/ ٣٦. (٦) الصبح ٥/ ٣٥. (٧) الصبح ٥/ ٣٥.