قُبَّةٌ مَلوكيةٌ وَمَقْعدٌ سُلطانيٌّ فَرْشهُما وأَزَرهُما رَخامٌ مُلوَّنٌ. وبها عُمُدٌ قليلةُ المِثلِ، يجري فيها الماءُ من تبعاتٍ تملأُ العينَ حُسنًا، والأذنَ طَربًا بِصفاءِ صفيرها وطيب خريرها وترى شبابيكهُما على أشجارٍ قدْ نُقلتْ إليهِ من كلِّ مكانٍ تجمعُ بين فواكه الشام والهند.
ولا يقفُ ناظرٌ على بستانٍ أحسنَ منهُ جمعًا، ولا أجمعَ حسنًا ولا أتمَّ صورةً ولا معنى (١)، يهزُّ معاطفَ روحهِ الصبا كأنهُ في اليمنِ من بقايا سبا.
[كتابةُ الإنشاء]
قال ابن البرهان: وأما كُتَّابُ الإنشاء عنده، فإنه لا يجمعهم رئيسٌ يرأسُ عليهم يقرأ ما يرد على السلطان ويُجاوبُ عنه، ويتلقى المراسم ويُنَفِّذُها. وإنما السلطان إذا دَعَتْ حاجتهُ إلى كتابة كُتُبٍ، بعثَ إلى كلِّ منهم ما يكتبه. فإذا كتب الكاتبُ ما يُرسَمُ لهُ بهِ بعثهُ على يدِ أحدِ الخصيانِ وقَدَّمهُ إلى السلطانِ فَعَلِمَ عليهِ ونفَّذهُ (٢).
قال ابن البرهان: وملوكُ اليمنِ أوقاتهم مقصورةٌ على لِذَّاتهم، والخلوة مع خُصياهم وخاصَّتِهِم من النُّدماء والمُطربين، ولا يكادُ السلطانُ يُرى، بل ولا يسمعُ أحدٌ من أهلِ اليمنِ له على الحقيقةِ خبرًا (٣)، معَ شِدَّةِ ضبطِهم لبلادهم ومن فيها، واحترازهم على طرقها برًا وبحرًا من كلِّ جهةٍ، فلا يخفى داخلٌ يدخلُ إليها ولا خارجٌ منها. ولِلتُّجَّارِ عندهم وَضْعٌ جليلٌ؛ لأنَّ غالبَ مُتَحصَّلاتِ اليمنِ منهم وبسببهم، كما قَدَّمنا ذكرهُ (٤).
قلت: ولقد كان الملكُ المُظفَّرُ (٥)، ثمَّ ولدهُ الملكُ المؤيَّدُ - رحمهما الله تعالى -
(١) الصبح ٥/ ٩. (٢) صبح الأعشى ٥/ ٣٥. (٣) المصدر نفسه ٥/ ٣٥. (٤) المصدر نفسه ٥/ ٣٥. (٥) الملك المظفر: يوسف بن عمر (المنصور نور الدين) بن علي بن رسول التركماني اليمني، شمس الدين: ثاني ملوك الدولة الرسولية في اليمن. وقاعدتها صنعاء. ولد بمكة سنة ٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م. وولي بعد مقتل أبيه (سنة ٦٤٧ هـ) بصنعاء. وأحسن صيانة الملك وسياسته. وقامت في أيامه فتن وحروب، فخرج منها ظافرًا. وكانوا يشبهونه بمعاوية، في حزمه وتدبيره. وطالت مدته. واستمر إلى أن توفي بقلعة تعز سنة ٦٩٤ هـ/ ١٢٩٥ م. قال ابن الفرات: «كان جوادًا عفيفًا عن أموال الرعايا، حسن السيرة فيهم» وهو أول من كسا الكعبة من داخلها وخارجها (سنة ٦٥٩) بعد انقطاع ورودها من بغداد (سنة ٦٥٥) بسبب دخول المغول بغداد. وبقيت كسوته الداخلية إلى سنة ٧٦١ ولا يزال على أحد الألواح الرخامية في داخل الكعبة إلى اليوم، النص الآتي: «أمر بتجديد رخام هذا البيت المعظم، العبد الفقير إلى رحمة ربه وأنعمه، يوسف بن عمر بن علي بن رسول، اللهم أيده بعزيز نصرك واغفر له ذنوبه برحمتك يا كريم يا غفار، بتاريخ سنة ثمانين وستمائة» وكانت له عناية بالاطلاع على كتب الطب والفنون، ومعرفة بالحديث، فصنف «المعتمد في الأدوية المفردة =