للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عادة تدين بها ملوكهم وسارت بها في ملوك النصرانية سيرهم فلو عدل الملك عنها لمنعه البطريرك وواخذه به وأخذه بالرجوع إلى سادة أسلافه واشتد في منعه؛ فإن رجع وإلا كان السبب لتجريمه، فإن رجع وإلا كان السبب لخلعه، والروم أسخى من جميع الطوائف النصرانية واسمك في الكرماء نفوسا وأمسك ناموسا. ومع هذا فما فيهم من يداني العرب في كرم ولا يقاربهم في جود والشح غريزة في طباع النصارى لا تنفق إلا فيما يتنعم به فينفقه في اللهو والطرب والنخوة فيهم قليلة. وهذه جملة ما ذكروه من أخبارهم وفهم من كلامهم، ومما أقوله أن أدل دليل على عظم القسطنطينية وما لها الممدود غزوة هارون الرشيد إياها سنة خمس وستين ومائة. كان أبوه المهدي قد وجهه إليها وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه المهدي، فخرج يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة غازيًا إلى بلاد الروم وضم إليه المهدي الربيع مولاه فتوغل هارون الرشيد في بلاد الروم، فافتتح ماجدة ولقيه خيول نقطيا قومس القوامسة فبارزه يزيد بن مزيد فارجل يزيد ثم سقط نقطيا فضربه يزيد حتى أثخنه وانهزمت الروم وغلب يزيد على عسكره وسار هارون بمن معه في مائة ألف من المرتزقة وتبعهم مثلهم من المطوّعة، وحملوا لهم من العين مائة ألف ألف دينار وثلاثة وسبعين الف ألف وأربعمائة وخمسين دينارًا، ومن الورق مائة ألف ألف واحد وعشرين ألف ألف وأربعة عشر ألفًا وثمانمائة درهم وسار هارون الرشيد حتى قطع خليج القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذ عصته امرأة اليون. وذلك أن ابنها كان صغيرًا قد هلك أبوه وهو في حجرها فجرت بينها وبين الرشيد السفراء في طلب الصلح والموادعة وإعطاء الفدية، فقبل ذلك منها هارون الرشيد وشرط عليها الوفاء بما أعطت وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في طريقه وذلك أنه دخل مدخلًا ضيقًا مخوفًا على المسلمين.

قال أبو جعفر الطبري (١): وسار هارون في خمسة وتسعين ألفًا وسبعمائة وثلاثة


(١) محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر: المؤرخ المفسر الإمام. ولد في أمل طبرستان سنة ٢٢٤ هـ/ ٨٣٩ م، واستوطن بغداد وتوفي بها. وعرض عليه القضاء فامتنع والمظالم فأبى. له «أخبار الرسل والملوك - ط» يعرف بتاريخ الطبري، في ١١ جزءًا، «وجامع البيان في تفسير القرآن - ط» يعرف بتفسير الطبري، في ٣٠ جزءًا، «و اختلاف الفقهاء - ط» و «المسترشد» في علوم الدين، «وجزء في الاعتقاد - ط» و «القراآت» وغير ذلك. وهو من ثقات المؤرخين، قال ابن الأثير: أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ، وفي تفسيره ما يدل على علم غزير وتحقيق. وكان مجتهدًا في أحكام الدين لا يقلد أحدًا، بل قلده بعض الناس وعملوا بأقواله وآرائه. وكان أسمر، أعين، نحيف الجسم، فصيحًا.
ترجمته في: معجم الأدباء ٦/ ٤٢٣، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٣٥١ وفيات الأعيان ١/ ٤٥٦ وطبقات =

<<  <  ج: ص:  >  >>