واستصحب السلطان معه أكابر الروميين، ثم رحل فنزل قريب خان السلطان علاء الدين كيقباذ ويعرف بكروانصراي، وهذا الخان بنية عظيمة من نسبة خان قرطاي وعليه أوقاف عظيمة من جملتها أغنام كثيرة يذبح نتاجها للواردين عليه، ثم نزلنا في وطأة رويزان كودلو وكودلو اسم جبال تلك الوطأة، ثم رحلنا فعارضنا نهر في وطأة خلف حصن سمندو من طريق غير التي كنا توجهنا عليها بمكان يعرف بنهر قزل صو، وهو صعب المخاض، واسع الاعتراض، عالي المهبط، زلق المسقط، مرتفع المرتقى بعيد المستقى، لا يجد السالك من أوحال حافتيه إلا (صعيدًا زلقا)، فوقف السلطان عليه بنفسه وجرد سيفه بيده، وباشر العمل هو وجميع خواصه حتى هيأ المكان جميعه، ووقف راجلًا يعبر الناس أولًا فأولًا من كبير وصغير وغلام وهو في أثناء ذلك يكبر على من يزدحم ويكرر التأديب لمن يطلب بأذية رفيقة أنه يقتحم، فلما خفت البرور، ولم يبق إلا المرور، ركب فرسه وعبر الماء، ونزل في واد هناك به مرعى، ولا كالسعدان ومرأى ولا كشعب بوان، ثم رحل فنزل عند صخرات قراجا حصار وهي قرية كانت عامرة فيما مضى قبالة بازار بلو، وهذا البازار هو الذي كانت الخلائق تجتمع إليه من أقطار الأرض، ويباع فيه من كل شيء يجلب من الأقاليم، ثم سرنا حتى نزلنا وطأة الابلستين، وعبر السلطان على مكان المعركة المتقدمة مع التتار، ورأى كيف تعاقبت عليهم من العقبان كواسرها، ومن النسور مناسرها، وكيف أصبحوا لا تندبهم إلا البوم، وكيف تحققوا أن التي أهلكتهم زرق الأسنة لا زرق الروم، وشاهدهم والهوام في أجسادهم متصرفة، قد هزأ بهم كل شيء حتى الوحوش والرياح فهذه من صديدهم متكرعة وهذه عليهم متقصفة:[من الكامل]
قد سوّدت شجر الجبال شعورهم … فكأنّ فيه مسفّة الغربان
وحضرت من أهل الابلستين هناك جماعة من أهل التقى والدين، فاستخبرهم السلطان عن عدة قتلى المغل، فقالوا ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ (١) فاستفهم من كبيرهم عن عدة المغل كم من قتيل فقال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢) فقال الذي عنده
(١) سورة المؤمنين: الآية ١١٣. (٢) سورة الكهف: الآية ٢٢.