للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المضاربة ملت والسواعد من المصادمة كلّت؛ وأنه ما بقي بالروم من الكفار من يغزى، ولا بجزاء السوء يجزى، وما بقي في البلاد إلا رعايا كالسوائم الهاملة، ولا دية لكفر منهم على عاقل ولا عاقلة، وإن أقام بالبلاد لا تحمله، ومواد بلاده لا تصله، وأعشاب الروم بالدوس قد اضمحلت، وعلوفاتها قد قلت، وزروعها لا ترتجي لكفاية، ولا ترضى خيول العساكر المنصورة بما ترضى به خيول الروم من الرعاء والرعاية، وإن الحسام الصقيل الذي قتل به التتار في يد القاتل، وإنه إن كان أعجبهم عامهم فيعودون إلى الروم من قابل فرحل يوم الاثنين العشرين من ذي القعدة بعد أن أعطى أمراءه وخواصه كلما أحضر إليه من الأعنة والأزمة، وكلما يطلق على تموله اسم النعمة، فنزل في منزلة تعرف بقبرلو، وفيها وصل إليه رسول غياث الدين والبرواناه يستوقفونه وكان الأمر شائعًا أنها إلى سيواس، فعدد السلطان عليه حسن وفاء عهده، وأنه أجاب دعاءهم مرة بعد مرة من أقصى ملكه مع بعده، وأنهم ما وقفوا عند الشرائط المقررة، ولا وفوا بمضمون الرسائل المسيرة؛ وأنه لما ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ (١) طلبوا ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢).

وعلم السلطان أن عساكر الروم أهل التذاذ، لا أهل نفاذ، وأهل طرب، لا أهل حرب، وأهل طيبة عيش، لا قواد جيش، فرد إلى سليمان البرواناه وهدده وقال قل له: قل له إنني قد عرفت الروم وطرقاته، وأمه أسيرة معي وابن بنته وولده ويكفينا ما جرى من النصر الوجيز، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ولا كل من قضى فريضة الحج تجب عليه المجاورة، ولا بعد هذه المهاجرة مهاجرة، ونحن فقد ابتغينا فيما آتانا الله من حقن دماء أهل الروم وعدم نهب أموالهم الدار الآخرة، وما كان جلوسنا في تخت سلطنتكم لزيادة تبجح بتخت آل سلجوق، إلا لنعلمكم أنه لا عائق لنا عن أمر من الأمور يعوق، وأن أحدًا لا ينبغي أن يأمن لنا سطوة، وليتحقق كل أن كل مسافة جمعة لنا خطوة، وسروجنا بحمد الله أعظم من ذلك التخت جلالًا وأرفع منالًا، وكم في ممالكنا كرسي ملك نحن آية ذلك الكرسي، وكم لنا فتح والحمد لله فوق الفتح القدسي.


(١) سورة الإسراء: الآية ٨١.
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٨٠.
(٣) سورة الحج: الآية ٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>