وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ هِيَ بِنَقْدٍ بِكَذَا أَبِيعُكَهَا بِنَسِيئَةٍ كَذَا كَالصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ صَفْقَتَيْ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ النَّقْدَ مِعْيَارًا لِلنَّسِيئَةِ وَهَذَا مُطَابِقٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ: "فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا". فَإِنَّ مَقْصُودَهُ حِينَئِذٍ، هُوَ بَيْعُ دَرَاهِمَ عَاجِلَةٍ بِآجِلَةٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا رَأْسَ مَالِهِ، وَهُوَ أَوْكَسُ الصَّفْقَتَيْنِ وَهُوَ مِقْدَارُ الْقِيمَةِ الْعَاجِلَةِ فَإِنْ أَخَذَ الزِّيَادَةَ فَهُوَ مُرْبٍ.
التَّفْسِيرُ الثَّانِي: أَنْ يَبِيعَهُ الشَّيْءَ بِثَمَنٍ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ ذَلِكَ الثَّمَنَ، وَأَوْلَى مِنْهُ أَنْ يَبِيعَهُ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا أَوْلَى بِلَفْظِ الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، فَإِنَّهُ بَاعَ السِّلْعَةَ وَابْتَاعَهَا، أَوْ بَاعَ بِالثَّمَنِ وَبَاعَهُ، وَهَذَا صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ حَقِيقَةً، وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ الْعِينَةُ الْمُحَرَّمَةُ وَمَا أَشْبَهَهَا، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهُ نَسْئًا، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا، أَوْ يَبِيعَهُ نَقْدًا، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ نَسْئًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيَعُودُ حَاصِلُ هَاتَيْنِ الصَّفْقَتَيْنِ إلَى أَنْ يُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ وَيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهَا وَسِلْعَتُهُ عَادَتْ إلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ إلَّا أَوْكَسُ الصَّفْقَتَيْنِ، وَهُوَ النَّقْدُ، فَإِنْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ قَصَدَ بِالْحَدِيثِ هَذَا، وَنَحْوُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ "نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَعَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ" - رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - وَكِلَا هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ يُؤَوَّلَانِ إلَى الرِّبَا، وَفِي النَّهْيِ عَنْ هَذَا كُلِّهِ أَوْضَحُ دَلَالَةٍ عَنْ النَّهْيِ عَنْ الْحِيَلِ الَّتِي هِيَ فِي الظَّاهِرِ بَيْعٌ وَفِي الْحَقِيقَةِ رِبًا» اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ] (٢/ ١٥٦):
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute