الأخبار، لا على أنها من كلام الرسول ﷺ، ولا على أنها صادقة، بل كان يحكيها على علاتها، معتمدا على أن المسلمين جميعا يعلمون أنها مستمدة من كتب اليهود المحرفة، فالذنب ليس ذنبه في رواج هذه الأخبار، بل ذنب هؤلاء المسلمين الذين لم يحتاطوا في قبولها ولا في روايتها، بل توسعوا توسعا كبيرا في ذلك، وحشدوا الإسرائيليات حشدا في كتبهم، فتناقلها الناس جيلا بعد جيل، وراجت بين المسلمين رواجا كبيرا، قال أحد أساتذتنا الأجلاء:(لا ينبغى أن يتخذ من رواية هذه الإسرائيليات وسيلة للطعن في رواتها من أمثال كعب ووهب ممن أثنى عليهم الصحابة، وزكاهم أهل البصر بالتعديل والتجريح، وذلك لأنهم حكوها من الكتب غير مصدقين لها على الإطلاق، بل كانت عقيدتهم فيها كعقيدة الصحابة: ما جاء على وفق شرعنا صدقوه، وما خالفه كذبوه، وما لم يوافق أو يخالف شرعنا ردوا فيه العلم إلى الله ﷿، وما مثلهم فيما ينقلون ويحكون إلا كمثل رجل أمين أراد أن يطلعك على كتاب مؤلف بغير لسانك، فترجمه إلى لغة تفهمها، لتعرف ما فيه إن صدقا وإن كذبا، والصدق والكذب حينئذ يضاف إلى الكتاب لا إلى الناقل)(١).
وقال آخرون: إن كعب الأحبار بريء من هذه الأخبار فهي قد نسبت إليه كذبا وزورا، ولعل أولئك الذين نسبوها إليه إنما أرادوا أن يضفوا عليها لباسا من الثقة والإجلال، وذلك بنسبتها إلى تابعي عظيم، وعالم جليل جمع الثقافتين الإسلامية واليهودية معا، وهو كعب الأحبار، وكعب منها براء، وهذا القول هو ما تميل إليه نفسى، ويطمئن إليه قلبي، لأن كعبا كان صادق
(١) الحديث والمحدثون لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو زهو ص ١٨٦، ١٨٧