ففي البيت الأول تظهر مشاعر حنينه القوي للعودة لمصر والتقائه بأحبابه فيها. وفي البيت الثاني يجسد التصوير الماثل في ذهنه لمشاهد الطبيعة الرائعة بمصر، والمتمثلة في نيلها العظيم، وما أحفّ به من رياض نضرة، ونخيل باسقات، تطالع الناظر من بعيد بخضرتها الدائمة، ومنظرها العجيب. لكننا نفاجأ بأن العراقي لم يبتكر ذلك، وإنما هو ناسج على منوال سابق له (١).
إلا أن هذا لا يعني جمود ملكته الشعرية أو أحاسيسه وتذوقه، بدليل إقباله على بعض أشعار عصره الجيدة، كقصيدة أديب عصره، برهان الدين القيراطي التي رثى بها الإسنوي شيخ العراقي، وهي تقارب مائة بيت ومطلعها:
نعم قُبضت روح العلا والفضائل … بموت جمال الدين صدر الفضائل
وقد تلقاها عنه العراقي على طولها، ثم أنشدها عنه لولده أحمد (٢).
كما تتلمذ لابن نباتة أديب عصره، وروى عنه بعض أشعاره كما سيأتي، فهذا دليل على انفعاله بالشعر الجيد وتذوقه له، كما يظهر في شعره أيضًا إحساسه بأحداث عصره وتعبيره عنها بوضوح، مثل قوله في رثاء الإستوي:
لقد كان مأوى للغريب وملجأ … لذي عثرة حتى تراه يقالها (٣)
فهذا تعبير منه عما قدمناه من أحداث عصره التي جعلت موطنه مصر ملجأ للغرباء وذوي الحاجة، مثل أسرته هو (٤)، فأشاد بموقف شيخه من تلك.
(١) (الضوء اللامع، جـ ١/ ١٧٨) (٢) (حسن المحاضرة) للسيوطي جـ ١/ ١٨١ - ١٨٤ و «وفيات ولي الدين ابن العراقي» سنة ٧٨١ (ترجمة برهان الدين القيراطي). (٣) (بهجة الناظرين) ص ١٤١. (٤) تنظر ص ١٠٤ - ١٠٦.