النظر في كلامه أو الرجوع إلى أصله، وقد عانينا من هذا الأمر أثناء تحقيق الكتاب وضبطه كثيرًا، وهو ما جعلنا نلجأ إلى أن نُحلّيه بتعليقات موجزة لتكميل الفائدة. وفي المقابل في مواضع كثيرة من البرهان لا يتضح مقصود الجويني فيها إلا بعد الرجوع إلى مختصر ابن المنير؛ لكن الفرق بين الأمرين أنَّ التعقيد أو الاضطراب أو القلق في البرهان راجع: إما إلى طبيعة تعبير الجويني من جهة علو عبارته ومصطلحاته الخاصة به؛ أو إلى الأخطاء المطبعية؛ أو غير ذلك، بينما عدم الوضوح في عبارة ابن المنير سببه الإيجاز والاختصار (١)، وهذا ليس عيبًا في الكتاب؛ لأنه طبيعة المختصرات.
فالحاصل أنه من الكتب العالية مبنى - لكون ابن المنير من أئمة اللغة والأدب -، ومعنى - تبعًا لأصله البرهان -، فهو لا يناسب المبتدئين في فنّ الأصول، لكن لا غنى عنه للباحثين وأهل العلم المشتغلين بهذا العلم الشريف، لا سيما المعتنين ببرهان الجويني.
أما سبب تصنيفه للكتاب، فقد أشار في المقدمة بعد الكلام السابق أنه كان بطلب أحدهم منه؛ وهل كان الطالب أحد شيوخه أو من تلاميذه؟ والله أعلم بذلك.
كان ابن المُنيّر ماهرًا في فنّ الاختصار، وقد تقدم في سرد مؤلفاته أنَّ له في ذلك كتابين؛ هما: مختصر التهذيب في الفقه، ومختصر البرهان، وهو
(١) في الجملة؛ لكن قول المصنف: «كلاهما خيَّم في بحبوحة الفصاحة وطنب» يشير إلى غرض من أغراض هذا التصنيف، وهو تحريه الفصاحة والبلاغة مع الاختصار، فيظهر أن عدم الوضوح في مواضع سببه تكلّف تعابير وتراكيب على حساب التقريب والتسهيل، والله أعلم.