إلى أسفل سافلين، ذلك أن إبليس قد بلغ من العبادة ما بلغ به مصاف الملائكة -وإن لم يكن منهم- يقول الله ﷿: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. بل كان إبليس من الجن كما أخبر الله ﷾: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. فماهية إبليس: ماهية نارية، ليس من الملائكة الذين خلقهم الله تعالى من نور؛ لكنه كان مجتهدًا في العبادة والتقرب فبلغ في سعيه هذا ودأبه أن بلغ مصاف الملائكة؛ لكن خانه أصله الفاسد، فإن الله ﷾ لما أمر الملائكة الكرام بالسجود لآدم خروا سجدًا؛ لكمال عبوديتهم لله تعالى أما إبليس فقد سرى الكبر في نفسه، وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، ف ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] أبى أن ينصاع لأمر الله ﷿ ولحظ المأمور به، ولم يلحظ الآمر وهو الله ﷾ فلا شك أن هذا هو أصل الطغيان، ثم إنه تقلد إضلال بني آدم، وقال: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]. فكان أن جرت سنة الله تعالى بهذا.
قوله:(لَعَنَهُ اللهُ): هذا -والله أعلم- على سبيل الخبر، يعني أنه قد وقع اللعن عليه من الله؛ لأن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، وقلنا: إن الأغلب أن يكون على سبيل الخبر لا على سبيل الدعاء؛ لأنه قد ورد آثار في النهي أن يقول الإنسان: تَعِس الشيطان. وربما قيس عليها: لعن الله الشيطان. فعن أبي المليح عن رجل قال كنت رديف النبي ﷺ فعثرت دابته فقلت تعس الشيطان. فقال ﷺ: (لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ وَيَقُولَ بِقُوَّتِى وَلَكِنْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى