لكن يرد على هذا التفريق استدراك: وهو أن الله سمى يوسف ﵇ رسولًا في كتابه مع أنه لم يوحَ إليه بشرع جديد؛ فإن مؤمن آل فرعون قد قال لقومه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤]؛ قد كان يوسف ﵇ رسولًا؛ مع أنه لم يوحَ إليه شرع جديد؛ بل كان يعمل بشريعة آبائه يعقوب وإسحاق وإبراهيم.
القول الثالث: أن الرسول: هو من بعث إلى قوم مخالفين لدعوتهم، سواء كان ذلك بشرع قديم أو بشرع جديد، وأن النبي: هو من بعث إلى قوم موافقين -أي مؤمنين- لتعلميهم والقضاء بينهم، وهذا أسلم التعريفات وأرجحها، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه "النبوات"(١).
قوله:(وَبَلَدُهُ مَكَّةُ): وهي أم القرى، ولها من الفضائل ما لا يخفى: يكفي أنها تضم المسجد الحرام الذي صلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما عداه من المساجد.
وقد هاجر النبي ﷺ-إلى المدينة بعد أن مكث بمكة ثلاثة عشر سنة يدعو الناس بكل ما وسعه من أنواع الدعوة؛ بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وقد لاقى النبي ﷺ وأصحابه في هذه الفترة المكية من العنت والمشقة الشيء العظيم، حتى إن النبي ﷺ إرفاقًا بأصحابه دعاهم إلى الخروج إلى الحبشة؛ لكي يأمنوا على أنفسهم وعلى دينهم؛ فخرج إلى الحبشة من خرج في هجرتين معروفتين، وبقي نبينا ﷺ