على أنه لم ينقل ذلك، فهذا نفي لا يعطي إثباتاً، وكيف يعوّل على النفي مع ما نقلنا من الإثبات، بل الإجماع الذي نتعلق به نحن أوضح وأوضح؛ لأن الناس أجمعوا على تحريم فعلها في الغصب، وعلى أنها معصية، وأن الصلاة تجب ويشترط أن تقع قربة، وتنوى قربة إلى الله ـ تعالى ـ، ولا يمكن هذا نية القربة بفعل هو معصية، فإذا تعذر ذلك لم تقع الصلاة مجزئة إجماعاً، على أنا نتعلق بإجماع سابق وهو أن الصلاة ثابتة في ذمته على وجه لا يختلف الناس فيه، وهو فعلها على وجه القربة المحضة، وأداؤها بسترة مغصوبة في بقعة مغصوبة ليس يتحقق معه نية القربة حيث كان الشرع قائلا له: لا تصل في الغصب، ولا تستقر في البقعة الغصب، وهو فاعل ذلك، ومرتكب له، وإذا كان مؤدياً لا على الوجه الذي أمر به، بل على الوجه المنهي عنه فالصلاة المأمور بها على وجه القربة باقية في ذمته بالإجماع، إذ كان الذي أتى به غير المأمور به، فهو كما لو قيل له: صلِّ مستتراً متطهراً، فصلى عرياناً محدثاً.
فإن قالوا: هذا قول يعطي الإحباط، ولستم قائلين به، ولا أحد من الفقهاء؛ لأنكم إذا جعلتم نية القربة لا تتم إلا بالبراءة من التلبس بالمعصية كان معناه أن نيته الصلاة لا تنعقد قربة لكونه متلبساً بمعصية، وهذا غير صحيح على مذاهب أهل السنة؛ لأن الفقهاء قالوا: إذا نوى بصلاته ظهراً ولم ينوها واجبة/ وقعت واجبة بحكم أنها واجبة، وأغناه ذلك عن نية الوجوب (١)، والإخلال بنيّة الوجوب أبلغ من فعل معصية خارجة عن نيّة الصلاة، فإذا لم يؤثر الإخلال بنيّة الوجوب في خروج الصلاة عن كونها الواجبة المأمور بها، كذلك التلبّس بالغصب مع كونه نوى الصلاة التي هي قربة في أصل وضعها لا يخرجها عن كونها قربة.
قلنا: ليس هذا من قول أهل الإحباط في شيء؛ لأن الإحباط أن تعكّر المعصية على الطاعة بالإحباط، وإن خرجت الطاعة وتمّت على الوجه المأمور به فيبطل ثوابها.