(ج) إن المبتدع نصب نفسه مضاهيا للشارع الحكيم، لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سنتها، وصار هو المنفرد بذلك لأنه حكم بين العباد فيما كانوا فيه يختلفون.
ولو كان التشريع من مدركات الخلق لم تتنزل الشرائع ولم تبعث الرسل، وهذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه ندا لله حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف بابا، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع.
وقد فهم السلف الصالح هذا فقال الشافعي ﵀:«من استحسن فقد شرع»، وهذا الإمام أحمد ﵀ يقول:«أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ، والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة ضلالة»، ومن قبلهما إمام دار الهجرة إمام علم وهدى قال:«من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا».
٢ - واستحق محسنو البدع هذا الحكم الشنيع، الذي مقره سقر وبئس المستقر، لأنهم أحدثوا فيما جرت سنته، وكفوا مؤنته، وردوا حكم الله، لأن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطل والزلل، ولم يرض لنفسه بما رضي به السلف الصالح لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر ثاقب قد كفوا، وهم على كشف الأمور أقوى، وبفضل كانوا أحرى، فقد تكلموا منه بما يكفي، ووضعوا منه ما يشفي، وكانت سبيلهم بيضاء ناصع لونها تسر السالكين.