وإخراجهم منه، وقال: إنا لم نسمح لهم إلا بكنائس وآدر خراب … والحرم وما فيه من الصخرة المقدسة وسائر المزارات بأيدي المسلمين على حاله، وشعار الإسلام قائم على ما كان عليه، ووالي المسلمين متحكم على رساتيقه وأعماله (١).
ولم تقنع كلمات الكامل هذه أحدا من خصومه، فما إن سمع المسلمون بتخلي الكامل عن القدس، ودخول الإمبراطور إليه حتى قامت القيامة في بلاد الإسلام، واشتدت العظائم، وأقيمت المآتم، وتوغرت قلوب أهل دمشق عليه، ووجد الناصر بذلك فرصة للتشنيع عليه، وتأليب القلوب ضده، فأشار على واعظ دمشق سبط ابن الجوزي أن يجلس في جامع دمشق، وأن يذكر ما جرى على بيت المقدس، فجلس بالجامع، وقد غص بالناس، إذ لم يتخلف من أهل دمشق أحد، وحضر الناصر داود على باب مشهد علي، وتجاوبت قلوب الحاضرين، وهي تسمع ما يقوله سبط ابن الجوزي، بصوت باك حزين: انقطعت عن بيت المقدس وفود الزائرين، يا وحشة المجاورين، كم كان لهم في تلك الأماكن من ركعة، كم جرت على تلك المساكن من دمعة، تالله لو صارت عيونهم عيونا لما وفت، ولو تقطعت قلوبهم أسفا لما شفت، أحسن الله عزاء المسلمين، يا خجلة ملوك المسلمين، لمثل هذه الحادثة تسكب العبرات، لمثلها تنقطع القلوب من الزفرات، لمثلها تعظم الحسرات:
أعيني لا ترقأي من العبرات … صلي بالبكا الآصال بالبكرات
على المسجد الأقصى الذي جل قدره … على موطن الإخبات والصلوات
على منزل الأملاك والوحي والهدى … على مشهد الأبدال والبدلات
على سلم المعراج والصخرة التي … أنافت بما في الأرض من صخرات
«مدارس آات خلت من تلاوة … ومنزل وحي موحس العرصات»(٢)
وعلا ضجيج الناس وبكاؤهم وعويلهم، وكان يوما مشهودا (٣).