للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

منهم، فقد باشر بنفسه جر الأخشاب مع البقر دون سأم أو تعب إلى أن نصبت المجانيق، وبدأ الرمي بها في (٢٦) رمضان، والظاهر يلازم الوقوف عندها، وهي ترمي، وكانت العساكر تأتيه من مصر والشام، فينزلهم في منازلهم، حتى إذا كانت ليلة عيد الفطر خرج الأمير بدر الدين الأيدمري للتهنئة بالعيد، فوقع حجر على رأسه، فرسم الظاهر ألا يجتمع أحد لسلام العيد، ولا يبرح أحد مكانه خشية انتهاز العدو غرة العسكر، ونودي يوم عيد الفطر في الناس: من شرب خمرا أو جلبها شنق (١).

وكان قد وصل جماعة من الصلحاء والفقهاء للاشتراك في فتح صفد، فيهم قاضي قضاة الحنابلة بدمشق شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر المقدسي (٢).

وما إن أطل ثاني أيام العيد (٢) شوال سنة (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م) حتى زحف المسلمون إلى أسوار صفد، ووقع بينهم وبين الصليبيين قتال عظيم، استشهد فيه جماعة، ونصب الظاهر مشفى في خيمة، فيها حكماء، وجرائحية وأشربة ومآكل، فصار من يجرح من المقاتلة والفقهاء يداوى بها (٣).

وبقي القتال مستعرا عند أسوار صفد، حتى إذا كان يوم (١٤) شوال اشتد الزحف من الليل إلى وقت الظهيرة، واستبسل الصلحاء والفقهاء في القتال، وأدرك الأجناد التعب، فتفرقوا إلى خيامهم للاستراحة، فغضب الظاهر من ذلك، وأمر خواصه بإقامة الأمراء والأجناد إلى القتال بالدبابيس، وقال: المسلمون على هذه الصورة من القتال وأنتم تستريحون! وقبض السلطان على نيف وأربعين أميرا وقيدهم وسجنهم، ثم شفع فيهم فأطلقهم، وأمرهم بملازمة مواضعهم (٤).


(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٤٦.
(٢) «الروض الزاهر»: ص ٢٥٨.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٤٦.
(٤) «الروض الزاهر»: ص ٢٥٩، «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٤٧.

<<  <   >  >>