للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وبلغ هذا النبأ الشنيع سمع الشيخ علم الدين السخاوي، وهو في حلقته بجامع دمشق، وأبو شامة إلى جانبه، فتأوه حزنا على ما ألم بالقاضي، وراح يضرب إحدى يديه بالأخرى كعادته تعبيرا عن انزعاجه الشديد.

وسيعقب أبو شامة على هذه الحادثة من بعد بقوله: «من لطف الله تعالى أن كان مجلس الحكم في داره، وإلا - والعياذ بالله - لو كان في مكان آخر لتكلف المرور في الطرقات بذلك الزي الشنيع في حق مثله إلى بيته، اللهم عفوك وعافيتك» (١).

ولكن القاضي المهان لن يمر في طرقات دمشق أبدا، فقد لزم بيته، يغالب القهر في عزلته حتى غلبه، فرمى كبده منه قطعا، وتوفي في الثالث والعشرين من صفر سنة (٦١٧ هـ/ ١٢٢٠ م)، وتأسف الناس لما جرى عليه (٢).

ولم يجد سبط ابن الجوزي ما يعتذر به عن المعظم، وهو من أقرب مقربيه، فكتب في تاريخه «مرآة الزمان»: «وكانت حركة شنيعة، وواقعة قبيحة لم يجر في الإسلام أقبح منها، وكانت من غلطات المعظم» (٣).

* * *

ويتوج أبو شامة حضوره في حلقة شيخه فخر الدين ابن عساكر بحصوله منه على الإجازة في أواخر سنة (٦١٦ هـ/ ١٢٢٠ م)، وقد بلغ السابعة عشرة من عمره، فقد كان ملازما له في مجلس سماعه تحت قبة النسر في جامع دمشق عصر كل يوم اثنين وخميس، وقد سمع منه معظم كتاب «دلائل النبوة» للبيهقي، وكان يقتنص أوقات فراغه ليسأله مسائل في الفقه (٤)، ولعل أبا شامة قد أحب أن يطلع شيخه على


(١) «المذيل»: ١/ ٣١٦ - ٣١٨.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣١٨.
(٣) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦١٦ هـ) بتحقيقي، و «المذيل»: ١/ ٣١٩.
(٤) «المذيل»: ١/ ٣٦٢ - ٣٦٣.

<<  <   >  >>