وها هي حياته تختم مدحورا عن باب هولاكو، فيحكي لنا في تاريخه ما آلت إليه حاله بعد وفاته، من خلال الرؤيا التي رآها العلاء علي بن الشيرازي في منامه، وقد قصها على أبي شامة، فقد رأى العلاء فيما يرى النائم القاضي صدر الدين بعد موته، فسأله عن حاله، فقال له القاضي: لما وصلت قيل: هاتوا الدرة. إشارة إلى بدء تعذيبه، ويشفق أبو شامة من خاتمة كهذه الخاتمة، فيدعو: اللهم عفوك (١).
ويتابع القاضي محيي الدين يحيى ابن الزكي طريقه إلى دمشق، فرحا بما ظفر به، فيصل إليها يوم الأحد (١١) جمادى الآخرة سنة (٢)(٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م). وفي يوم الأربعاء (١٤) جمادى الآخرة يقرأ فرمان ولايته القضاء في جامع دمشق تحت قبة النسر، بحضرة نائب التتار بدمشق إيل سبان، وقد قعدت زوجته معه على طراحة نصبت لها بين زوجها والقاضي إلى جانب العمود الشرقي في الباب الكبير الأوسط من أبواب النسر بالجامع، وكان في الفرمان توليته القضاء من قنسرين إلى العريش، ونائبه أخوه لأمه شهاب الدين إسماعيل بن أسعد بن حبش (٣).
ويبدو أن أبا شامة كان حاضرا قراءة الفرمان، ولربما جال في خاطره، وهو يرقب هذا المشهد المخزي، موقف شيخه فخر الدين ابن عساكر، وهو يهم بالهجرة من دمشق لرفضه تولي القضاء للعادل زهدا وورعا (٤)، وما آل إليه حال القضاء في هذه الأيام النحسات حتى وصل إلى هؤلاء القضاة المتهالكين على هذا المنصب، الطالبين له حتى من كافر مغتصب لأرض المسلمين ونسائهم، ليتخذوه مطية للاستيلاء على مال الوقف.
(١) «المذيل»: ٢/ ١٤٤. (٢) «المذيل»: ٢/ ١٤٣ - ١٤٤، و «ذيل مرآة الزمان»: ١/ ٣٥٦ - ٣٥٧. (٣) «المذيل»: ٢/ ١٤٤. (٤) انظر ص ٣٠ من هذا الكتاب.