وكان الناصر يوسف في معسكره في برزة يتشاغل فيما لا يفيد، ويقضي أوقاته في نظم شعر أو سماع قصيدة (١)، وكان أحيانا يركب من المعسكر، ويمضي إلى بستان أخيه الظاهر بن العزيز يبيت فيه ويستريح!
فلما رأى مماليك الناصر يوسف الأتراك أن الناصر قد فترت همته عن قتال التتار، وأن أمراء الأكراد القيمرية قد وافقوه على ذلك، اتفقوا فيما بينهم على أن يهجموا على الناصر يوسف، وهو في البستان، فيقتلوه، ويقتلوا الأمراء الأكراد، ويملكوا عليهم غيره من الأمراء الأتراك، وقالوا: إن أمراء الأكراد قد قرروا في نفس السلطان ونفوسهم أنهم لن يلتقوا هولاكو ولن يقاتلوه، فإن تركوهم وما قرروا راحت البلاد، واستولى عليها التتار.
فرصدوا الملك الناصر يوسف إلى أن مضى إلى البستان على عادته، وهجموا على البستان في أول الليل، فأحس بهم الناصر يوسف، فانهزم مع أخيه الظاهر، متسورين حائط البستان، وأغذا السير راجلين حتى دخلا قلعة دمشق، وفشلت خطة اغتياله.
فلما أصبح الصباح بلغ الخبر الأمراء القيمرية، فدخلوا قلعة دمشق، ومعهم جماعة من الأمراء الأكابر، وأشاروا على الناصر يوسف أن يكتم ما جرى، ويخرج إلى معسكره في برزة. فوافقهم، وخرج معهم إلى المخيم (٢).
وخاف الأمير ركن الدين بيبرس أن يتهم بما وقع، ففارق الناصر يوسف، ووصل إلى إقطاعه بنابلس، واتفق خروج مماليك الناصر يوسف الذين عزموا على اغتياله هاربين ومعهم جماعة من العسكر، فوصلوا إلى غزة، فمضى بيبرس إلى الساحل، وأقام بين الشهرزورية أعداء الناصر (٣).