للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

التهديد، فبعد أن يذكره فيها باستيلائه على بغداد، وقتل الخليفة إرعابا له، يقول: وإذا وقفت على كتابي هذا فسارع برجالك وأموالك وفرسانك إلى طاعة سلطان الأرض شاهنشاه تأمن من شره، وتنل خيره، كما قال تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى﴾ (١) ولا تعوقن رسلنا عندك كما عوقت رسلنا من قبل، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

وقد بلغنا أن تجار الشام وغيرهم انهزموا بأموالهم وحريمهم إلى كروان سراي (٢)، فإن كانوا في الجبال نسفناها، وإن كانوا في الأرض خسفناها (٣).

وبرغم ما في هذه الرسائل من طبول للحرب تقرع غير أن الناصر يوسف تصامم عنها، معللا النفس بأمان قد ناله من التتار، ولن يخفر التتار أمانهم.

ويبدو أن هولاكو قد تعمد إبقاء العزيز عنده نحو سنة (٤)، وهي فترة طويلة تكفي كي يتم استعداداته لغزو بلاد الشام، وعلل الناصر يوسف بنجدته له كي يستنيم إلى رضاه عنه، ولا يبدي استعدادا لمقاومته.

ومن ثم فوجئ الناصر يوسف حقا بما لم يعد نفسه له، إذ بدأت الأخبار تترامى إليه بتحرك هولاكو بجيشه من همذان في رمضان سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) قاصدا بلاد الشام (٥).

وفزع الناصر يوسف إلى مصر يستنجدها، مرسلا وزيره كمال الدين ابن


(١) سورة النجم: ٣٩ - ٤١.
(٢) كروان سراي، تعني بلغتهم فندق المسافرين، وجاء في هامش إحدى نسخ «السلوك»: يعني مصر، وعلق محققه: ويفهم من هذا أن مصر كانت تعرف في بلاد التتر باسم كروان سراي، وربما نشأت تلك التسمية من انتهاء معظم الطرق التجارية إليها من سائر جهات الشرق والغرب في القرون الوسطى.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ٢/ ٤١٦.
(٤) أرسل الناصر ابنه العزيز عقب سقوط بغداد، انظر ص ٢١٧ من هذا الكتاب.
(٥) مؤرخ المغول رشيد الدين فضل الله الهمذاني، تأليف فؤاد عبد المعطي الصياد: ص ٤٨.

<<  <   >  >>