منافسا لأبي شامة على مشيخة الإقراء فيها، على ما بينهما من فارق في السن والعلم، وكان أبو شامة أحق بها منه، تنفيذا لشرط واقفها، غير أنه أزيح عنها بخديعة، تحالف فيها ضده نائب دمشق وقتئذ معين الدين بن شيخ الشيوخ، والقاضي صدر الدين ابن سني الدولة (١)، ولم يبق من آثار هذه الخديعة في نفس أبي شامة الآن إلا غصة، أحس بها وهو يدون في تاريخه خبر وفاة أبي الفتح، فهو لا يعترف به شيخا للقراء، بل ولا يذكره في عداد تلاميذ شيخه علم الدين السخاوي، إنه الشمس أبو الفتح الذي كان يقرئ بالتربة الصالحية (٢). بهذا التجاهل كان أبو شامة يعبر عن استيائه مما حدث له في سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٦ م).
فهل كان يعتقد أن أبا الفتح قد شارك في تلك الخديعة؟ أما الآن فلم تعد تعنيه مشيخة الإقراء، ولا التربة الصالحية، ولا غيرها من الترب والمدارس، إنه يعيش الآن في عزلة وانفراد، غير مؤثر للتردد إلى أبواب أهل الدنيا، متجنبا المزاحمة على المناصب، لا يؤثر على العافية والكفاية شيئا (٣)، ولا يعنيه من سيتولى مشيخة القراء بعد أبي الفتح، وإن كان شيخا دونه في الإقراء مثل عبد السلام بن علي بن عمر بن سيد الناس المالكي الزواوي (٤).
وكان أكثر الناس شعورا بما يعانيه أبو شامة من جحود أخوه إبراهيم، وهو يرى طلاب الأمس وقد غدوا شيوخا كبارا بينما أخوه أبو شامة على علمه الجم وتفننه معتزل في بيته أو بستانه، لا يدري به أحد، فيرى ذات ليلة فيما يراه النائم أخاه
(١) انظر ص ١٣٦ - ١٣٨ من هذا الكتاب. (٢) «المذيل»: ٢/ ١٣٤. (٣) «المذيل»: ١/ ١٤٩. (٤) «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣٥٠، وقد ذكر الذهبي فيه: أنه أقرأ بالتربة بعد أبي الفتح الأنصاري مع وجود أبي شامة، وأسندت إليه رئاسة الإقراء بالشام. قلت: وقد فات الذهبي أن أبا شامة في تلك الفترة كان حبيس عزلة اختارها لنفسه.