للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بينما هو يدنو من السادسة والخمسين، وتهب عليه نسائم الحب، فيتوهج جمر القلب في خريف العمر، ويكتب لها قصيدة طويلة (١) يعدد فيها صفات هذه الزوجة الودود في مملكتها الصغيرة بيتها، ويبوح لها فيها بحبه الكبير، ويتجرأ حقا فيثبتها في تاريخه، متحديا بذلك تقاليد عصره الذي كان فقهاؤه ومؤرخوه يخنقون مشاعرهم ولا يعلنونها في حياتهم العامة، بله الخاصة، ولا يسمحون لأحد أن يطل من خلال كتبهم على داخل بيوتهم، ولا أعرف أحدا من مؤرخينا أدخلنا بيته، ووصف لنا زوجته غير أبي شامة.

فهي - كما وصفها - ولود، ودود، حرة، قرشية، لطيفة، نظيفة، شكور، عفيفة، غريرة، رحيمة، حلوة، قنوع، مدارية، رقيقة القلب، سريعة دمع العين، خدوم، خفيفة الروح، حنانة، ذكية، على فصاحة في لفظها، وجمال في نطقها، مقتصدة، تحفظ مال زوجها، دائبة العمل في بيتها، رغم وجود خادمة قد تكفيها، فما إن تنتهي من الكنس والطبخ والغسل ورعاية ابنها حتى تحيك في مغزلها، أو تطرز ثيابها، أو تخط لوحات بخطها الجميل، لا يتسلل الملل إليها، وقد أوتيت صبرا على أصعب الأشغال وأدقها.

وهي غالبا ما تقضي نهارها صائمة، وليلها قائمة، وإذا ما طرق باب بيتها طارق، فإنها لا تجيبه، لأن كلام الأجنبي حرام عليها، وبقاؤها في بيتها أحب إليها من الخروج إلى الأسواق، ولا تصغي إلى كلام جاراتها اللواتي يغرينها بالخروج للفرجة، وإذا ما اضطرت فخرجت لحاجة عرضت لها، فإنها تخرج متسترة، لا تكشف حتى بنانها، تمشي غير متلفتة، ولا متكلمة في طريقها.

وتعويذة لكمالها من عين الحسود يذكر أبو شامة أن ليس لها من عيب سوى أنها سريعة الغضب، ويرتفع صوتها حين تغضب، ويتساءل أبو شامة بلسان


(١) «المذيل»: ٢/ ١٢٠ - ١٢٢.

<<  <   >  >>