للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بالتوجه إليها، فمضى إلى دمشق، وبعد دخوله إليها بأيام (١) توفي معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ ليلة الأحد (٢٢) رمضان سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٦ م)، فصلي عليه بجامع دمشق (٢)، ولم يحضر أبو شامة جنازته، ولم يصل عليه، كما فعل من قبل مع أخويه تاج الدين وعماد الدين، ربما لما يجد في قلبه منه (٣). ثم حمل إلى جبل قاسيون، فدفن في تربة أخيه عماد الدين (٤).

وضرب الخوارزمية حصارهم من جديد على دمشق (٥)، وضايقوها، وقطعوا عنها المواد، ولم تقو دمشق، وهي المنهكة على تحمل حصارين متعاقبين، فاشتد بها الغلاء اشتدادا لم يعهد في الأعمار مثله، ولم يسمع بنظيره في عصر من الأعصار في بلد من البلاد، على حد تعبير ابن واصل (٦)، وراح الجوع والوباء يفتك بأهل دمشق، وجلس أبو شامة إلى أوراقه بقلب يملؤه الحزن والغم مسجلا في تاريخه وقائع هذا الحصار، ذاكرا بدقة ثمن كل سلعة، وكأنه لا يصدق أن ترتفع أثمانها هذا الارتفاع، فكان ما كتب:

«وفيها اشتد الغلاء بسبب قطع الخوارزمية الطرقات، ففي ثامن عشر شوال بلغت غرارة القمح ست مئة درهم ناصرية، وبيع الخبز كل رطل بثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم على تفاوت الأخبار، والله يكشف هذا الضر برحمته، وكان ذلك في تاسع آذار، وبقيت الصعاليك مرميين بالطرقات، كانوا يطلبون لقمة، ثم صاروا يطلبون لبانة، ثم صاروا يطلبون فلسا يشترون به نخالة يبلونها ويأكلونها كما يطعم


(١) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٤٩.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٧٦ - ٧٧.
(٣) انظر «المذيل»: ٢/ ٤٧، ٦٤، وكان لمعين الدين يد في إقصاء أبي شامة عن مشيخة القراء، انظر ص ١٣٦ - ١٣٧ من هذا الكتاب.
(٤) «المذيل»: ٢/ ٧٧.
(٥) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٣ هـ).
(٦) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٥٢ - ٣٥٣.

<<  <   >  >>