فلما أصبحوا أخذوا في أسباب تجهيزه، فأخرجوه وصلوا عليه بالقلعة، وأراد السلطان أن ينزل معه إلى التربة؛ فمنعوه الأمراء من ذلك، ونزلوا به فكان له مشهد عظيم، وذلك في يوم الجمعة قبل الصلاة، فمشوا قدامه الناس قاطبة إلى تربة والدته خوند خاتون، وهي التي بالقرب من السيدة نفيسة ﵂.
فلما أصبح السلطان يوم السبت نزل إلى تربة ولده وزار قبره، وجلس عنده، وكان معه سائر الأمراء، ولما مات الملك الصالح علي خلف ولدا ذكرا يسمى الأمير موسى، وهو صاحب الربع الذي في الغرابليين (١)، ثم صار المأتم عمال سبعة أيام، والصدقات مستمرة في كل ليلة.
ثم كتب القاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر كاتب السر الشريف عن لسان أبيه الملك المنصور قلاوون إلى نائب الشام، وغيره من النواب، كتابا يذكر فيه ما أصابه من الروية، ويشرح فيه معنى القضية، وهي هذه الألفاظ السنية، ونحمد الله على حزن حزنا به بالصبر، حسن الثواب على هذه المصيبة الظاهرة، وكان قصدنا أن نجعله ملكا في الدنيا، فاختاره الله ملكا في الآخرة (٢).
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وستمائة، فيها: سافر السلطان الملك المنصور قلاوون إلى نحو البلاد الشامية، فدخل إلى دمشق في ثالث عشر صفر، فأقام بها إلى العشرين من صفر، ثم توجه وصحبته العساكر إلى نحو طرابلس، وحاصر أهلها، ونصب على سورها المنجنيق، واستمر محاصرها أربعة وثلاثون يوما، ففتحها بالسيف في يوم الثلاثاء رابع عشر ربيع الآخر من السنة المذكورة، فوردت البشائر إلى الديار المصرية بهذه النصرة التي حصلت، وفتح مدينة طرابلس وجبيل (٣)، ثم رجع السلطان إلى القاهرة، وهو في غاية النصرة (٤).
وفي هذه السنة: جرد الأمير عز الدين أيبك الأفرم إلى نحو بلاد النوبة، لأن صاحب النوبة تجرأ وهجم على مدينة أسوان، ونهب أسواقها، فجرد إليه
(١) داخل باب زويلة (انظر: الخطط المقريزية ٣/ ١٨٢). (٢) نقله ابن إياس في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩ عن "الصلاح الصفدي". (٣) مدينة تقع على الساحل اللبناني بين طرابلس وبيروت. (انظر: الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق ٣٤٢). (٤) في جواهر السلوك، ص: ١٣٢: في أحداث سنة ٦٨٩ هـ.