وكانت القاهرة قد زينت لقدوم الملك المظفر قطز، لما بلغ الناس هذه النصرة العظيمة، فلما نادى المنادى بذلك فمن الناس من أظهر الفرح والسرور بذلك، ومن الناس من أغتم لذلك وتأسف على قتل المظفر قطز، لأنه قتل من غير موجب لذلك.
فلما تم أمر الملك الظاهر بيبرس في السلطنة عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب المعروف بالجمدار (١) واستقر أتابك العساكر، كما تقدم واستقر بالأمير لاجين الدرفيل دوادار كبير والأمير بلبان الرشيدي استقر دوادار ثاني وأخلع على الأمير بهاء الدين يعقوب الشهرزوي واستقر أمير أخور كبير على عادته.
ثم في الموكب الثاني أخلع على من يذكر من أعيان الأمراء، وهم الأمير بدر الدين بيليك الخازندار فاستقر نائب السلطنة بالديار المصرية، وصار صاحب الحل والعقد في أيام دولته، وكان من مماليك الظاهر بيبرس اشتراه صغيرا من حين كان أميرا ورباه، فلما تسلطن أستاذه صار نائب السلطنة بمصر.
وقيل (٢): أن التاجر الذي أباع الأمير بيليك إلى الملك الظاهر بيبرس، كان في سعة من المال، فذهب ماله كله، وصار من جملة الحرافيش، فلما قدم إلى الديار المصرية فوجد مملوكة بيليك المذكور قد صار صاحب الحل والعقد وتصرف في الأمور كما يشاء، فقال له بعض التجار:"لو أنك تدخل إلى الأمير بيليك، وتذكر له حالك، فعسى أن ينعم عليك بشيء".
فكتب قصة ودخل إليه، وكان مضمون القصة هذه الأبيات، وهما:
قد صرت من بعد عز في الهوان وقد … جار الزمان بضيق نلت منه أذى (٣)
والآن أقبلت الدنيا عليك بما … ترضى فلا تنسني "إن الكرام إذا … (٤)
فلما قراها الأمير بيليك قال: "من رافع هذه القصة، فقيل له:"هذا التاجر الذي أباعك للسلطان"، فقام إليه وأعتنقه، ثم أجلسه على مرتبته وأكرمه غاية الإكرام، وأنعم عليه بخلق وعشرة ألاف دينار. ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الظاهر.
(١) لم يرد في بدائع الزهور وجواهر السلوك؛ وذكر قبل قليل أنه معروف بالصغير. (٢) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٣١١: أن القول لصلاح الصفدي في تذكرته. (٣) جاء البيت مختلفا عما ورد ببدائع الزهور ١/ ١/ ٣١١ والوافي بالوفيات ١٠/ ٢٧٧: "كنا جميعا في بؤس نكابده … والقلب والطرف منا في أذى وقذى". (٤) بحر البسيط؛ الشطر الأخير به تضمين لقول الشاعر: "إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا … * من كان يألفهم في المنزل الخشن". انظر: الشفاء في بديع الاكتفاء، شمس الدين النواجي، ٦٠.