فعل ما فعل في بغداد قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وقد وصل أوائل عسكره إلى البلاد الحلبية.
فعند ذلك عقد الأمير قطز مجلسا، وجمع فيه سائر القضاة، وأكابر العلماء، وسائر أعيان الدولة من الأمراء، وغيرهم، وكان المشار إليه في ذلك المجلس الشيخ عز الدين ابن عبد السلام (١)، ﵁، وكان من أكابر علماء الشافعية، وكان يلقب بسلطان العلماء.
فأقاموا (٢) مدعى في ذلك المجلس، وذكر هيئة سؤال في أمر مجيء هلاكواملك التتار، وأن بيت المال خال من الأموال، وأن السلطان محتاج للمساعدة من الرعية، وأعيان التجار، والأغنياء، لإقامة العسكر، وتجهيزهم للسفر، وما يعينهم على ذلك؟
فأجاب الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في ذلك المجلس وقال:"إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم قتاله، وجاز للسلطان بأن يأخذ من أموال التجار والرعية ما يستعان به على تجهيز العسكر، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء من المال والسلاح والقماش، ويقتصر كل من الجند على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة؛ وأما أخذ أموال الرعية مع إبقاء ما في أيدى الجند من السروج الفضة، والحوايص الذهب، فلا يجوز ذلك".
ثم تكلموا في إقامة سلطان كبير مهاب لدفع العدو، فوقع الاختيار من الأمراء والقضاة على خلع المنصور علي بن المعز أيبك، وسلطنة الأمير قطز، فعند ذلك خلع الملك المنصور علي.
وكان كثير اللعب طائش العقل، وكانت والدته تدبر أمور المملكة، فكانت مدة سلطنة المنصور علي بن المعز أيبك سنتين وثمانية أشهر وثلاثة أيام، ثم أرسلوه إلى الاعتقال ببرج السلسلة بثغر دمياط (٣)، وأرسلوا أخوته وأمه معه إلى دمياط قأقام بها إلى أن مات بعد مدة طويلة.
(١) ولد سنة ٥٧٧ هـ. ونشأ في دمشق وزار بغداد سنة ٥٩٩ هـ فأقام شهرا وعاد، وتوفى بالقاهرة ٦٦٠ هـ، وله عدة مصنفات. (انظر: فوات الوفيات ٢/ ٣٥٠ - ٣٥٢). (٢) هكذا في الأصل، وفي بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٠١: "قام شخص بين يدى الشيخ عز الدين ابن عبد السلام". (٣) كان حصنا منيعا، وهو قفل بلاد مصر، وصفته أنه في وسط جزيرة في النيل عند انتهائه إلى البحر؛ ومن هذا البرج إلى دمياط وهي على شاطئ البحر وحافة النيل سلسلة، ومنه إلى الجانب الآخر، وعلى الجسر سلسلة أخرى، ليمنع دخول المراكب من البحر إلى النيل. (حسن المحاضرة السيوطي، ٢/ ٢٣).