للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ثم إن السلطان مرض عقيب ذلك، وسلسل في المرض وحصل له ماخولية وخفت عقل، فمنها أنه رسم بتوسيط الحكماء، فوسط الريس خضر، ووسط ابن العفيف؛ ومنها أنه رسم بنفى الكلاب إلى بر الجيزة، فجمعوا منهم عدة كلاب ونفوهم إلى بر الجيزة؛ ومنها أنه رسم بأن الفلاح لا يلبس زمطا (١) ونودي بذلك في القاهرة؛ ومنها أنه رسم بأن المرأة لا تخرج من بيتها، ولا تمشي خلف جنازة، فكانت الغاسلة إذا خرجت للموتى تأخذ من المحتسب ورقة وتجعلها في رأسها (٢).

واستمر الأشرف في هذه الخرافات إلى أن مات في يوم السبت بعد العصر، ودفن في يوم الأحد (٣) ثالث عشر ذي الحجة من أواخر سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، ودفن في تربته التي بالقرب من البرقوقية التي في الصحراء، وكثر عليه الأسف، والحزن من الناس، فكان كما قيل:

والمرء كالظل ولابد أن … يزول ذاك الظل بعد أمتداد (٤)

فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية ست عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام.

وكان ملكا جليلا معظما، مبجلا في موكبه، وكانت الدنيا في أيامه هادية من الفتن والحروب التي كانت قائمة بالديار المصرية بين الأمراء.

وكانت صفته طويل القامة، صبيح الوجه، أبيض اللون، شايب اللحية، عربي الوجة، مهابا عليه وقار وسكينة، وكان عنده لين جانب للرعية، وكان محبا لجمع الأموال، منقادا إلى الشريعة، ويحب أهل العلم والفقهاء.

ومما أنشأه في أيامه من العمائر وهي المدرسة التي بالقرب من سوق الوراقين، والمدرسة التي في الصحراء، والمدرسة التي في سرياقوس، والوكالة التي في الصليبة، والربوع، وله بالديار المصرية أثار كثيرة، وأوقاف كثيرة على جهات بر وصدقة.


(١) الخاتم من الخنصر. (تكملة المعاجم العربية (٥/ ٣٥٨)؛ وفي بدائع الزهور ٢/ ١٨٦ وجواهر السلوك ٣٢٤: "زنطا".
(٢) خبر الغاسلة جاء مختصرا في بدائع الزهور. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ١٨٦).
(٣) في بدائع الزهور ٢/ ١٨٨: "السبت"، وقد أخبر أنه مات يوم السبت وخرج في اليوم التالي إذ الصحيح يوم الأحد.
(٤) البيت لابن النبيه. (انظر: نفح الأزهار في منتخبات الأشعار ١٠٥).

<<  <   >  >>