وقوله تعالى:{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ}: مقولُ قولٍ محذوفٍ؛ يُقدّر: قالوا أو قائلين؛ المعنى: لا نُفرِّق بين رُسُلِ الله في الإيمان ببعضِهم دون بعضٍ كما فعلتِ اليهودُ والنَّصارى بل نؤمنُ بجميعِهم، وقرأ الجمهور بالنون، وقرأ بعضُ السلف بالياء:{لا يُفرِّقُ} بلفظِ المفرد ردًّا إلى لفظِ {كلّ}(١)، ورجَّحَ ابنُ جريرٍ قراءةَ جمهور القرَّاء، وقال: إنه لا يستجيزُ القراءة بغيرها (٢).
وقوله تعالى:{وَقَالُوا}: معطوفٌ على «آمنوا»؛ المفهوم من قوله:{كُلٌّ آمَنَ} فالمعنى: كلُّهم آمنوا وقالوا، أو معطوف على «قالوا» العامل في {لَا نُفَرِّقُ}، وتقديره: قالوا: لَا نُفَرِّقُ، وقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، ومعنى:{سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}؛ أي: سَمِعْنا ما أنزلتَ على رسولكَ من الكتاب والحكمة وقَبِلْنَا واستجبْنا وأطعْنا لك فيما أمرتَنا به وما نهيتَنا عنه فامتثلنا وفعلْنا ما أمرْتَنا به واجتنبْنَا ما نهيتَنا عنه. وقولُه:{غُفْرَانَكَ}: مفعولٌ لفعلٍ مُقدَّر؛ أي: نسألكَ غفرانكَ يا ربنا. وقولُه: {وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥)}: أي: إليك وحدكَ المرجعُ والمآب في يوم الحساب.
وقولُه تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}: يخبرُ -تعالى- عن رحمته بعباده في شرعِه بأنه لا يُكلِّفُ نفسًا إلا وسعَها؛ أي: ما تسعُهُ قدرتُها فلا يفرض على أحدٍ شيئًا من الفرائض إلا ما يستطيع ويقدرُ عليه بلا حَرَجٍ يلحقُهُ، وهذا الحكم من الله -تعالى- يرفع الحرجَ الذي خافه الصحابةُ فهمًا من قوله -تعالى- في الآية السابقة:{وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ} ولهذا قيل: إن هذه الآيةَ ناسخةٌ للآية السابقة؛ لأنها دالةٌ على أن ما لا يُستطاعُ
(١) قرأ يعقوب: {لَا يُفَرِّقُ} بالياء؛ وقرأ بقية القراء: {لَا نُفَرِّقُ} بالنون؛ فهي قراءة عشرية متواترة. ينظر: «المبسوط في القراءات العشر» (ص ١٥٦)، و «النشر في القراءات العشر» (٢/ ٢٣٧)، وهي أيضًا قراءة سعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير. ينظر: «إيضاح الوقف والابتداء» (١/ ٥٦٠)، و «الكامل في القراءات» (ص ٥١٣). (٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ١٥١).