وقوله تعالى:{وَبِالْآخِرَةِ} أي: بالدَّار الآخرة، وهي: دارُ القيامة في مقابل دار الدنيا؛ كما قال تعالى: {وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)} [الليل: ١٣].
وقوله تعالى:{عَلَى هُدًى}؛ أي: على نورٍ وبيِّنةٍ وبصيرةٍ واستقامةٍ وسَدادٍ.
{الم} الله أعلمُ بمرادِه بذلك {ذَلِكَ} أي: هذا {الْكِتَابُ} الذي يَقرؤُه محمد {لَا رَيْبَ} لا شكَّ {فِيهِ} أنه مِنْ عند الله، وجملةُ النفي خبرٌ مبتدؤُه «ذلك»، والإشارةُ به للتعظيم {هُدًى} خبرٌ ثانٍ أي: هاد {لِلْمُتَّقِينَ} الصائرينَ إلى التقوى بامتثالِ الأوامرِ واجتنابِ النَّواهي لاتِّقائِهم بذلكَ النار {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} يُصدِّقون {بِالْغَيْبِ} بما غابَ عنهم من البعثِ والجنةِ والنارِ {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} أي: يأتونَ بها بحقوقِها {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} أعطيناهم {يُنْفِقُونَ} في طاعةِ الله {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} أي: القرآن {وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} أي: التوراةُ والإنجيلُ وغيرهما {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} يعلمون {أُولَئِكَ} الموصوفونَ بما ذُكِرَ {عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} الفائزون بالجنَّة النَّاجونَ مِنْ النار.
وقولُ المؤلِّف:(الله أعلمُ بمرادِه بذلك): هذا أحد الأقوالِ في الحروف المقطَّعة في أوائل السور كالبقرة وآل عمران والأعراف وغيرها، ومعنى: هذا القولُ في الحروف المقطَّعة أنها مِنْ المتشابِه الذي لا يَعلمُ تأويلَه إلا الله، وقد اختار المؤلِّفُ هذا القول (١)، ولهذا قال:(الله أعلمُ بمرادِهِ)، وفيها أقوالٌ أخرى (٢): استوفاها الإمامُ ابن جرير، ورواها بالأسانيد (٣)، واختار أنَّ الحروفَ
(١) روي هذا القول عن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود رضي الله عنهم وعامر الشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خثيم. ينظر: «تفسير القرطبي» (١/ ١٥٤). (٢) ينظر الخلاف في المسألة، والأقوال فيها تزيد على العشرين قولًا في: «تفسير الطبري» (١/ ٢٠٤ - ٢٢٨)، و «زاد المسير» (١/ ٢٥ - ٢٦)، و «تفسير ابن كثير» (١/ ١٥٦ - ١٦٠). (٣) ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٢٠٤ - ٢١٠).