الثاني: أن كلًا من الحديثين إنما حدث به عنبسة ليكون له بشارة تبعث على رجاء ما عند الله من الثواب والجنة، ودفع حالة الجزع التي ألمت به في هذا الموقف.
الثالث: أن عنبسة قال في الحديثين جميعًا: فما تركتهن منذ سمعتهن.
الرابع: اتحاد مخرج الحديث، وأن مداره على عنبسة، والذي حدث به في مرض موته.
الخاص: أنه قد حدث به عن عنبسة بفضل من صلى في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة: عمرو بن أوس الطائفي، والمسيب بن رافع الكوفي، وأبو صالح السمان المدني، ومعبد بن خالد الجدلي الكوفي، وعطاء بن أبى رباح المكي مرسلًا.
هكذا انتشر هذا الحديث عن عنبسة، ورواه عنه أهل الأمصار، من الطائف والمدينة والكوفة ومكة، وخالفهم أهل الشام، فرووه عن عنبسة من غير سماع، أو بأسانيد ضعاف، فرووه بفضل من صلى قبل الظهر أربعًا وبعدها أربعًا.
والحديث الذي اشتهر في بلده وخارجها، أولى من الحديث الذي تفرد به أهل مصر من الأمصار، وعنبسة بن أبى سفيان: مدني، ولاه معاوية على مكة، وكان يشخص إلى الطائف، وقدم دمشق [انظر: تاريخ دمشق (٤٧/ ١٥)].
° وأما وجه الشذوذ في حديث أهل الشام هذا عن عنبسة:
أن عامة أصحاب عنبسة الذين رووا عنه هذا الحديث وسمعوه منه لم يزيدوا في عدد الركعات على اثنتي عشرة ركعة، ثم فصلها في حديث أبى إسحاق السبيعي، ومنها: ركعتان بعد الظهر، وحديث الشاميين مخالف لذلك؛ حيث زاد ركعتين أخريين بعد الظهر، فيصير عدد الركعات أربع عشرة ركعة، فكيف يمكن التوفيق بين الحديثين على فرض صحتهما في قول عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن، مع تعارضهما.
من وجه آخر: لم تأت الأحاديث الصحيحة بما يشهد لحديث الشاميين، فهذا حديث ابن عمر المتفق عليه [أخرجه البخاري (٩٣٧)، ومسلم (٨٨٢/ ٧١)، ويأتي عند أبى داود برقم (١٢٥٢)]، وحديث عبد الله بن شقيق عن عائشة [أخرجه مسلم (٧٣٠/ ١٠٥)، وتقدم تحت الحديث رقم (٩٥٥)، ويأتي برقم (١٢٥١)]: كلاهما اتفقا على ركعتين فقط بعد الظهر، وقد جاء حديث الشاميين عن عنبسة عن أم حبيبة بزيادة ركعتين لم نجد في السُّنَّة الصحيحة ما يشهد لهما.
كذلك فإن النبي ﷺ لما شُغل عن الركعتين بعد الظهر، صلاهما بعد العصر، فصح أنه كان يصليهما اثنتين، ويقضيهما اثنتين، وفي الحديث: قال ﷺ: "يا بنت أبى أمية! سألتِ عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان" [أخرجه البخاري (١٢٣٣ و ٤٣٧٠)، ومسلم (٨٣٤)، وأبو داود (١٢٧٣)، ويأتي تخريجه في موضعه من السنن إن شاء الله تعالى].