قال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٦٠): "ففي هذه الرواية: تصريح ابن جريج [كذا، وإنما هو نافع، بأن هذه القراءة إنما هي حكاية ما قرأ لهم ابن أبي مليكة.
وفي لفظ الحديث اختلاف في ذكر البسملة وإسقاطها، وفي إسناده أيضًا اختلاف؛ فقد أدخل الليث بن سعد في روايته عن ابن أبي مليكة بينه وبين أم سلمة: يعلى بن مملك، وصحح روايته الترمذي وغيره، وقال النسائي في يعلى هذا: ليس بمشهور، وقال بعضهم: عن يعلى عن عائشة، وقد ذكر الاختلاف فيه الدارقطني في علله، وذكر أن عمر بن هارون زاد فيه عن ابن جريج: وعدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية، وعمر بن هارون لا يلتفت إلى ما تفرد به، وقد يكون ابن جريج عدَّها آية، أو ابن أبي مليكة.
ومن زعم أنه صحيح؛ لتخريج ابن خزيمة له، فقد وهم.
ومن زعم من متقدمي الفقهاء أن حفص بن غياث رواه عن ابن جريج كذلك، وأنه أخبره به عنه غير واحد، فقد وهم، ورواه بالمعنى الذي فهمه هو، وهو وأمثاله من الفقهاء يروون بالمعنى الذي يفهمونه، فيغيرون معنى الحديث.
وحديث حفص مشهور، مخرج في المسانيد والسنن باللفظ المشهور".
• قلت: والحاصل: فإن حديث أم سلمة [من رواية الليث بن سعد] حديث حسن؛ رجاله ثقات؛ غير يعلى بن مملك، ومدار الحديث عليه: وهو لم يرو عنه سوى ابن أبي مليكة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي:"يعلى بن مملك: ليس بذاك المشهور"، وفي هذا إشارة إلى جهالة حاله، إذ لم يرو عنه سوى ابن أبي مليكة، وليس له من الحديث إلا الشيء اليسير، وقد سبق أن تكلمت عن قبول حديث المجهول إذا لم يرو منكرًا تحت الحديث رقم (٧٥٩)، عند حديث هُلْب الطائي، ومما قلت هناك:
الحكم على الراوي بالجهالة لا يمنع من تصحيح حديثه، فكم من راوٍ حكم أبو حاتم عليه بالجهالة ونحوها ثم صحح حديثه، ثم نقلت بعض النقول في ذلك، ثم قلت: فدل ذلك على أن استقامة حديث الراوي تكفي في قبول حديثه، حتى لو لم يكن مشهورًا بالطلب، لا سيما من كان في طبقة التابعين، والمقصود من هذه النقول بيانُ أن المجهولَ لا يُردُّ حديثه لمجرد جهالته؛ إذ الجهالة وصف لا يلزم منه الجرح، بل يقترن كثيرًا في كلام الأئمة الوصفُ بالجهالة مع التوثيق أو التجريح، ولكن ينظر في حديث المجهول؛ فإن كان حديثه مستقيمًا موافقًا لرواية الثقات صُخح حديثه واغتُفرت جهالته، حيث لم يرو منكرًا، ولم ينفرد عن الثقات بما ليس من حديثهم، لا سيما لو كان من التابعين، وهذا مثل حالتنا هذه، ويعلى بن مملك: صحح له الترمذي هذا الحديث، وصححه أيضًا ابن خزيمة والحاكم، وصحح له الترمذي (٢٠٠٢ و ٢٠١٣)، وابن حبان (٥٦٩٣ و ٥٦٩٥)، وحسن له البزار (١٠/ ٩٨/ ٤٠٣٧)، في الرفق وحسن الخلق، وفي هذا توثيق ضمني من هؤلاء الأئمة ليعلى بن مملك، وأنه لم يرو منكرًا، والله أعلم [انظر: التاريخ الكبير (٨/ ٤١٥)، علل ابن أبي حاتم (٢٢٣٢ و ٢٣٢٣)، الثقات (٥/ ٥٥٦) و (٧/ ٦٥٢)، علل الدارقطني (٦/ ٢٢١/ ١٠٨٧)، التهذيب (٤/ ٤٥١)].