للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

السادس: أن معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة والسورة لكان هذا أيضًا معروفًا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل هذا أحد عن معاوية، بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها، بل الأوزاعي مذهبه فيها مذهب مالك؛ لا يقرؤها سرًّا ولا جهرًا.

فهذه الوجوه وأمثالها إذا تدبرها العالم قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له، وإما مغيَّر عن وجهه، وأن الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح، فحصلت الآفة من انقطاع إسناده.

وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان شاذًا؛ لأنه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عن أنس، وعن أهل المدينة، وأهل الشام، ومن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذًا ولا معللًا، وهذا شاذ معلل إن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته".

وقد نقله ابن عبد الهادي في كتابه في الجهر، وزاد عليه وأفاض في البيان، مثل قوله: "أن مذهبَ أهل المدينة قديمًا وحديثًا تركُ الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلًا ومثل قوله: "ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية، ومعلوم أن معاوية قد صلى مع النبي ، فلو سمع النبي يجهر بالبسملة لما تركها حتى ينكر عليه رعيته أنه لا يحسن يصلي".

وقال ابن رجب في فتح الباري (٤/ ٣٦٢): "فعلى طريقة الشافعي في ترجيح الإسناد الثاني على الحديث: ليس هذا الحديث من رواية أنس بن مالكٍ بالكلية، فلا يكون معارضًا لروايات أنسٍ الصحيحة الثابتة، وعلى التقدير الآخر: فليس هذا الحديث مرفوعًا، وإنما فيه إنكار من كان حاضرًا تلك الصلاة من المهاجرين، وإنما حضر ذلك قليل منهم؛ فإن أكابرهم توفوا قبل ذلك، فغاية هذا: أن يكون موقوفًا على جماعة من الصحابة، فكيف تُردُّ به الروايةُ المرفوعة، وليس فيه تصريحٌ بإنكار ترك الجهر بالبسملة، بل يحتمل أنهم إنما أنكروا قراءتها في الجملة، وذلك محتمل بأن يكون معاوية وصل تكبيرة الإحرام بقراءة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من غير سكوت بينهما يتسع للبسملة، ثم وصل الفاتحة بقراءة سورةٍ من غير سكوت يتسع للبسملة، ورواية ابن جريج صريحةٌ في أن معاوية لم يقرأ البسملة مع الفاتحة أيضًا، فيدل هذا على اتفاقهم على أن البسملة ليست من الفاتحة، وإلا لأمروه بإعادة الصلاة، أو لأعادوا هم صلاتهم خلفه.

وبكل حالٍ؛ المضطربُ إسنادُه وألفاظُه لا يجوز أن يكون معارضًا لأحاديث أنس الصحيحة الصريحة، وقد تفرد بهذا الحديث: عبد الله بن عثمان بن خثيم، وليس بالقوي؛ ترك حديثه يحيى القطان وابن مهدي [سبق بيان عدم صحة هذا النقل]، ومن العجب قول بعضهم: يكفي أن مسلمًا خرج له، مع طعنه في حديث الأوزاعي الذي خرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس المصرح بنفي قراءة البسملة، وقوله: إنه معلول غير ثابت، بغير حجة ولا برهان، نعوذ بالله من اتباع الهوى".

<<  <  ج: ص:  >  >>