وقال الشافعي رحمه الله في القديم: ... كيف ينصت لما لا يسمع؟ ... (١).
قال البيهقي:« .... لا معنى لقول من زعم أن الإنصات في اللغة هو السكوت، وأنه في عرف الشريعة لا يطلق إلا على السكوت وترك النطق أصلًا، قد وردت أخبار صحيحة في إطلاق اسم الإنصات والسكات على ترك الجهر دون الإخفاء وعلى ترك كلام الناس دون الذكر في النفس»،
(ح-١٣٩٠) ثم ساق البيهقي بإسناده ما رواه البخاري من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: حدثني عمارة بن القعقاع، قال: حدثني أبو زرعة، قال: حدثني أبو هريرة، وفيه: ... قال أبو هريرة: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد.
ورواه مسلم من طريق جرير، ومن طريق عبد الواحد كلاهما عن عمارة بن القعقاع به (٢).
قال البيهقي: فهذا الخبر الصحيح يُبَيِّن ويوضح أن الإنصات قد يكون ترك الجهر، وإن كان المنصت عن الجهر ذاكرًا لله عز وجل، أو قارئًا للقرآن؛ إذ لا فرق بين السكوت والإنصات عند العرب، وقد قال أبو هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم: ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: لَسْتُ بساكتٍ، ولكن أعلمه ما يقول في سكوته ذلك» (٣).
وإنما أمر بالسكوت من أجل تحقيق الاستماع، فإذا لم يسمع قراءة الإمام فلا فائدة من سكوته، فكان المشروع له أن يقرأ؛ لأن الصلاة شرعت لإقامة ذكر الله.
الجواب الثاني:
أن الحنفية قالوا: يستفتح المأموم، ولو كان يسمع قراءة إمامه، فخالفوا ظاهر
(١). أحكام القرآن للشافعي جمع البيهقي (١/ ٧٧)، القراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: ١١٢). (٢). صحيح البخاري (٧٤٤)، وصحيح مسلم (٥٩٨). (٣). القراءة خلف الإمام (ص: ١٢١، ١٢٢).