أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُوَ بِحِرَاءَ.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَدْ أَتَتْكَ وَمَعْنَاهُ تَوَجَّهَتْ إِلَيْكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ثَانِيًا: فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَمَعْنَاهُ وَصَلَتْ إِلَيْكَ.
قَوْلُهُ: (إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ وَشَرَابٌ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ حَيْسًا.
قَوْلُهُ: (فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي) زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَتْ: هُوَ السَّلَامُ وَمِنْهُ وَالسَّلَامُ وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ وِلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُقْرِي خَدِيجَةَ السَّلَامَ - يَعْنِي فَأَخْبِرْهَا - فَقَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ وَعَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ زَادَ ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَعَلَى مَنْ سَمِعَ السَّلَامُ، إِلَّا الشَّيْطَانَ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي هَذَهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى وُفُورِ فِقْهِهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ حَيْثُ كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّشَهُّدِ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُو السَّلَامُ، فَقُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ فَعَرَفَتْ خَدِيجَةُ لِصِحَّةِ فَهْمِهَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَدُّ ﵇ كَمَا يُرَدُّ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَهُوَ أَيْضًا دُعَاءٌ بِالسَّلَامَةِ، وَكلاها لَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَدَّ بِهِ عَلَى اللَّهِ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: كَيْفَ أَقُولُ: ﵇ وَالسَّلَامُ اسْمُهُ، وَمِنْهُ يُطْلَبُ وَمِنْهُ يَحْصُلُ؟ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ إِلَّا الثَّنَاءُ عَلَيْهِ فَجَعَلَتْ مَكَانَ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، ثُمَّ غَايَرَتْ بَيْنَ مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ وَمَا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ فَقَالَتْ: وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ ثُمَّ قَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى مَنْ أَرْسَلَ السَّلَامَ وَعَلَى مَنْ بَلَّغَهُ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ جَوَابِهَا فَرَدَّتْ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِالتَّخْصِيصِ وَمَرَّةً بِالتَّعْمِيمِ، ثُمَّ أَخْرَجَتِ الشَّيْطَانَ مِمَّنْ سَمِعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الدُّعَاءَ بِذَلِكَ. قِيلَ: إِنَّمَا بَلَّغَهَا جِبْرِيلُ ﵇ مِنْ رَبِّهَا بِوَاسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ احْتِرَامًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ وَقَعَ لَهُ لَمَّا سَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ لَمْ يُوَاجِهْهَا بِالسَّلَامِ بَلْ رَاسَلَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ وَاجَهَ مَرْيَمَ بِالْخِطَابِ، فَقِيلَ: لِأَنَّهَا نَبِيَّةٌ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا زَوْجٌ يُحْتَرَمُ مَعَهُ مُخَاطَبَتُهَا. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ أَبُو بَكْرِ بْنِ دَاوُدَ عَلَى أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْ عَائِشَةَ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ سَلَّمَ عَلَيْهَا جِبْرِيلُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَخَدِيجَةُ أَبْلَغَهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا. وَزَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْ عَائِشَةَ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ قَدِيمًا وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ أَفْضَلِيَّةَ خَدِيجَةَ بِهَذَا وَبِمَا تَقَدَّمَ. قُلْتُ: وَمِنْ صَرِيحِ مَا جَاءَ فِي تَفْضِيلِ خَدِيجَةَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ قَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ: لِعَائِشَةَ مِنَ الْفَضَائِلِ مَا لَا يُحْصَى، وَلَكِنَّ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ ثُمَّ خَدِيجَةَ ثُمَّ عَائِشَةَ.
وَاسْتَدَلَّ لِفَضْلِ فَاطِمَةَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَتِهَا أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ.
قُلْتُ: وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثِينَ أَوْلَى، وَأَنْ لَا نُفَضِّلَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى. وَسُئِلَ السُّبْكِيُّ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ أَحَدًا مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ أَفْضَلُ مِنْ فَاطِمَةَ؟ فَقَالَ: قَالَ بِهِ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ مِنْ فَضْلِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُنَّ فِي دَرَجَتِهِ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: وَهُوَ قَوْلٌ سَاقِطٌ مَرْدُودٌ. انْتَهَى. وَقَائِلُهُ هُوَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَنِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي الْفَضْلِ، وَهُنَّ أَفْضَلُ النِّسَاءِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الْآيَةَ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ قِيلَ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ كَمَرْيَمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا وَقَعَ لَهَا نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِخَدِيجَةَ مِنَ السَّلَامِ وَالْجَوَابِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الحديث السابع:
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.