النَّصِيحَةَ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ وَيَجْتَنِبُ الْأَذَى فَلَا، وَقَلَّ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ، فَطَرِيقُ السَّلَامَةِ فِي ذَلِكَ لِمَنْ يَخْشَى عَدَمَ الْوُقُوفِ عَلَى مَا يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُبَاحُ الْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ.
وذكر فيه حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي إِخْبَارِهِ النَّبِيَّ ﷺ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ تَغَيَّرَ مِنَ الْغَضَبِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَتَمَغَّرَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ صَارَ لَوْنُهُ لَوْنَ الْمَغَرَةِ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ بَيَانَ جَوَازِ النَّقْلِ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ نَقْلَهُ مَا نَقَلَ، بَلْ غَضِبَ مِنْ قَوْلِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ، ثُمَّ حَلُمَ عَنْهُ وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُ ائْتِسَاءً بِمُوسَى ﵇، وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾
٥٤ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّمَادُحِ
٦٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عنِ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ؛ فَقَالَ: أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ.
٦٠٦١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا ذ كِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَيْحَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، يَقُولُهُ مِرَارًا، إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ؛ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، واللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا. قَالَ وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ: وَيْلَكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ) هُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الْمَدْحِ أَيِ الْمُبَالَغُ، وَالتَّمَدُّحُ التَّكَلُّفُ وَالْمُمَادَحَةُ أَيْ مَدْحُ كُلٍّ مِنَ الشَّخْصَيْنِ الْآخَرَ، وَكَأَنَّهُ تَرْجَمَ بِبَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَبَرَ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُرِيدَ حَمْلَ التَّفَاعُلِ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي الشَّهَادَاتِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْإِطْنَابِ فِي الْمَدْحِ.
أورد فيه حديثين: الأول: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، قَالَ فِيهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ الْبَزَّارُ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَتَقَدَّمَ الْكُلُّ فِي الشَّهَادَاتِ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ؛ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَخْرِيجِهِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِي مَتْنِهِ وَلَا إِسْنَادِهِ وَهُوَ قَلِيلٌ فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ فَذَكَرَهُ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا شَيْخُهُ هُوَ الْخُلْقَانِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ، وَبُرَيْدَةُ بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ يُكَنَّى أَبَا بُرْدَةَ مِثْلَ كُنْيَةِ جَدِّهِ وَهُوَ شَيْخُهُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ عَنْ بُرَيْدٍ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ.
قَوْلُهُ: (سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا صَرِيحًا، وَلَكِنْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ؛ فَذَكَرَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.