قالوا: ولا يجوز للحرِّ أن يحترف بالحجامة، وإن كان غلامه حجامًا لم ينفق على نفسه من كسبه، وإنما ينفقه على العبيد وعلى بهائمه. والقصد بالحجام: في يحجم ليس في يزين الناس.
وذكر ابن الجوزي: أن أجرة الحجام إنما كرهت؛ لأنه مما يعين به المسلم أخاه إذا احتاج إليه، فلا ينبغي له أن يأخذ من أخيه على ذلك أجرًا.
وروى ابن حبيب: أن قريشًا كانت تتكرم في الجاهلية عن كسب الحجام؛ فلذلك جاء فيه النهي على وجه التكرم والأنفة عن دقائق الأمور. وروى ربيعة أنه قال: كان للحجامين سوق على عهد عمر،
ولولا أن يأنف رجال لأخبرتك عن آبائهم أنهم كانوا حجامين (١).
وقال يحيى بن سعيد: لم يزل المسلمون مُقِرِّينَ بأجر الحجامة ولا ينكرونها (٢).
وحاصل الخلاف: كراهة التنزيه، التحريم مطلقًا، الفرق بين الحر والعبد، يجوز الإعطاء دون الأخذ. قول ابن جرير.
فصل:
قوله:(ونهى عن الواشمة والموشومة)؛ أي: عن فعل الواشمة.
والوشم: أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة، ثم يحشى بالكحل و (النَّئُور)(٣)(٤) فيخضر، وقال الداودي: فيسود موضعه إذا حشي بالإثمد، وهو من عمل الجاهلية، وفيه تغيير لخلق الله.
(١) ذكره ابن عبد البر في "التمهيد" ١١/ ٨١. (٢) رواه الطحاوي في "شرح معاني الاثار" ٤/ ١٣٢. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: النئور يلج، وهو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر ولك أن تقلب الواو، المضمومة همزة كما في "الصحاح". (٤) النَّئُور: هو دخان الشحم، انظر: لسان العرب، مادة: وشم ٥/ ١٨٩.