للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بإصبع، وسابق أرخى عنانه لما علم بأنه لا يتبع، وكان قويّ الجنان، قويم السنان، قؤول اللسان، صؤول اليد بالإحسان، حمل إلى بغداد، والسيف يقطر دما، والرمح يقرع سنه ندما، والوجود يود لو عدّ عدما، وطلب في المحنة التي أظلت والمدة التي ظلت، والمصيبة التي افترست الأديان، وأخرست الألسنة إلى يوم العرض على الديان، فقال ولم يبل، وبالغ لله أبوه ولأمّ غيره الهبل (١).

سمع من ابن وهب، وأشهب من أصحاب مالك، فلما قدم الشافعي مصر صحبه، وتفقّه عليه، وحمل في المحنة (٢) إلى بغداد إلى القاضي أحمد بن أبو دؤاد، فلم يجب إلى ما طلب منه (٣)، فردّ إلى مصر، وانتهت إليه الرياسة بها (٤).

قال المزني: كنّا نأتي الشّافعيّ نسمع منه، فنجلس على باب داره، ويأتي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فيصعد إليه (٥) ويطيل المكث، وربّما تغدّى معه، ثم ينزل فيقرأ علينا الشافعي، فإذا فرغ من قراءته قرّب إلى محمد دابّته فركبها، وأتبعه الشافعي بصره، فإذا غاب شخصه قال: وددت لو أن لي ولدا مثله، وعليّ ألف دينار دينا لا أجد لها قضاء (٦).

وقال ابن عبد الحكم: كنت أتردّد [إلى الشافعي] (٧)، فاجتمع قوم من أصحابنا إلى أبي، وكان على مذهب مالك، فقالوا له: يا أبا محمد، إنّ محمدا ينقطع إلى هذا الرجل، ويتردّد إليه، فيرى الناس أن هذا رغب (٨) عن مذهب


(١) أي: الثكل. ومنه قولهم: "لأمّك هبل": أي ثكل.
(٢) الأصل المحفة، والإصلاح من ابن خلكان أصل المؤلف.
(٣) وهو القول بخلق القرآن.
(٤) طبقات فقهاء الشافعية للشيرازي: ٩٩، ووفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ١٩٣.
(٥) في الأصل المخطوط: "به" وصوابه ما أثبتناه من وفيات الأعيان.
(٦) وفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ١٩٣ - ١٩٤.
(٧) زيادة من ابن خلكان.
(٨) ابن خلكان: رغبة.

<<  <  ج: ص:  >  >>