وكان مبدأ اشتغاله على أيه بالموصل، ثم توجّه إلى بغداد، وتفقّه بالنظامية، وعاد إلى الموصل، وخطب بالجامع المجاهدي، ودرّس بها بمدارس، وصنّف في المذهب، وتقدّم في دولة نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل تقدّما كثيرا، وتوجّه عنه رسولا إلى بغداد غير مرة، وإلى الملك العادل، وناظر في ديوان الخلافة في مسألة شراء الكافر للعبد المسلم في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وولي القضاء بالموصل، وكان شديد الورع والتقشف، لا يلبس الثوب الجديد حتى يغسله، ولا يمسك قلم الكتابة إلا ويغسل يده، وكان دمث الأخلاق، لطيف الخلوة، ملاطفا بحكايات وأشعار، وكان كثير المواظبة لنور الدين صاحب الموصل، يرجع إليه في الفتاوى، ويشاوره في الأمور. ولما توفي نور الدين سنة سبع وستمائة توجّه إلى بغداد بسبب تقرير ولده الملك القاهر مسعود، فعاد وقد قضى الشغل، ومعه الخلعة والتقليد، فتوفّرت حرمته عند القاهر أكثر مما كانت عند أبيه، وكان مكمل الأدوات، غير أنه لم يرزق سعادة في تصانيفه، فإنها ليست على قدر فضائله.
وولد بقلعة إربل، سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، في بيت صغير منها، ولما وصل إلى إربل في بعض رسائله دخل ذلك البيت، وتمثل بالبيت المشهور، وهو:
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي … وأول أرض (١) مس جلدي ترابها
وتوفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة، سنة ثمان وستمائة، وكان الملك المظفر صاحب إربل يقول: رأيت الشيخ عماد الدين في المنام بعد موته، فقلت له: ما متّ؟. فقال: بلى، ولكني محترم (٢).
(١) في الأصل المخطوط: "جلد". (واثبتناه من ابن خلكان). (٢) وفيات الأعيان ٤/ ٢٥٤.