إمام لا يعسر عليه قفل، ولا يعرف لديه غفل، تجنح إلى مصابيحه قفال (١)، وتفتح بمفاتيحه أقفال، لا يحط قمر دأديه (٢) أفول، ولا تحلّ بغير ناديه قفول، ولم تحفظ أبواب التصانيف بمثل أقفاله التي تشد عليها، وتسد بها الطرق، فلولاه للفتح لم يتوصل إليها، طالما شبّت لمعارضه نار قريحة، وشبّ مثلها فكره النافخ، وهدرت عارضة مجادله فأسكتها، وهدر رعده الصارخ، وطال عمره وهو ممتّع بحواسه لا يستعين، وقارب المائة والعلماء معه في مثل عقد التسعين.
كان وحيد زمانه فقها وحفظا، وورعا، وزهدا، وله في مذهب الشافعي ما ليس لغيره من أبناء عصره، وتخاريجه كلّها جيدة، وإلزاماته لازمة، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به، منهم: أبو علي السنجي، والقاضي حسين، والشيخ أبو محمد الجويني، [والد](٣) إمام الحرمين وكل واحد من هؤلاء صار إماما يشار إليه، ولهم التصانيف النافعة، ونشروا علمه في البلاد، وأخذ عنه أئمة كبار أيضا.
وكان ابتداء اشتغاله بالعلم على كبر السنّ بعد ما أفنى شبيبته في عمل الأقفال، ولذلك قيل له "القفّال". وكان ماهرا في عملها (٤).
= ٣/ ٣٠، وطبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٤/ ٢٦٥، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/ ١٨٦ رقم ١٤٤، وتاريخ الخلفاء للإمام السيوطي ٣١٦، وطبقات الشافعية لابن هداية الله ١٣٤ - ١٣٥، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ٣/ ٢٠٧، ومفتاح السعادة لطاش كبري زاده ٢/ ١٨٣، وروضات الجنات للخوانساري ٤٤٨ - ٤٤٩، وهدية العارفين ١/ ٤٥٠، وإيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون للبغدادي ٣/ ١٨٨ والأعلام لخير الدين الزركلي ٤/ ١٩٠، ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ١/ ٢٦. (١) رجوع إليه. (٢) في الحديث "ليس عفر اللّيالي كالدّآدئ": العفر: البيض المقمرة، والدّآدئ: المظلمة لاختفاء القمر فيها. (٣) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل المخطوط، وأثبتناه من "وفيات الأعيان ٣/ ٤٦". (٤) وفيات الأعيان لابن خلّكان ٣/ ٤٦.