إذًا لو حلبت امرأةٌ من ثديها في إناءٍ أو في كأس، فوُضع في فم هذا الصغير فشربه ثم تكرر ذلك إلى خمس مرات هل يُنزَّل ذلك منزلة الارتضاع من الثدي؛ هذا هو الوَجور.
وأما "اللُّدود": بضمِّ اللام فالمراد به: أن يؤخذ بطرف لسان الصغير فيُمال إلى أحد شقي فمه؛ فيؤخذ باللسان فيُتَّجه به إلى أحد الشقين، ثم يُصبُّ اللبن في الشق الآخر، وليس ذلك خاصًّا باللبن بل يدخل في ذلك الدواء وغيره، وهذا يُسمى باللُّدود.
إذًا الوَجور واللُّدود كلامها يُصبّ عن طريق الفم، والفم - كما تعلمون - إنما هو المكان الأصلي الذي يصل عن طريقه الغذاء إلى الجوف، وربما يأتي أيضًا عن طريق الأنف كالحال بالنسبة (للسعوط) الذي سيتكلم عنه المؤلف. وربما يأتي عن طريق الحقنة، وربما يوجد جرحٌ في البدن أو ثقبٌ فيوصَل إليه أيضًا، فهل هذا داخل أم لا؟
مسألة (الوَجور) اختلف فيها العلماء؛ فالجمهور قالوا: إن الوَجور يُحرِّم كما يُحرِّم الارتضاع من الثدي؛ لأن العلَّة الموجودة في الارتضاع من الثدي موجودةٌ هنا؛ ولأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بيَّن أنه:"لا رضاعَ إلَّا ما أنشز العظم وأنبت اللحم"(١). وهذا اللبن الذي يُصبّ سواءٌ التقمه الصبي من ثدي المرأة أو صُبَّ في حلقه؛ فإنه سيسير في هذا المجرى إلى أن يصل إلى الجوف فيستقر في المعدة، ثم بعد ذلك يحمله الدم إلى بقية أجزاء الجسم.
إذًا بهذا يتغذَّى منه، فالحكمة والعلة موجودة؛ فهم يقولون: لا نرى فرقًا وإن كان الأصل هو الارتضاع، فلا فرق بين مَن يرتضع من الثدي مباشرة، ومن يُصب في حلقه اللبن ما دام قد وصل إلى الجوف وتحقق فيه ما يتحقق بالنسبة للرضاعة المعروفة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيَّن أن الرضاعة من