الدَّارِ الْآخِرَةِ أَكْمَلَ اللَّهُ [تَعَالَى] (١) الْآدَمِيِّينَ وَقَوَّاهُمْ حَتَّى أَطَاقُوا رُؤْيَتَهُ، وَلِهَذَا لَمَّا تَجَلَّى اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] (٢) لِلْجَبَلِ خَرَّ مُوسَى صَعِقًا {فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: ١٤٣] . قِيلَ: أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (٣) بِأَنَّهُ لَا يَرَاكَ حَيٌّ إِلَّا مَاتَ، وَلَا يَابِسٌ إِلَّا تَدَهْدَهَ (٤) ، فَهَذَا لِلْعَجْزِ (٥) الْمَوْجُودِ فِي الْمَخْلُوقِ، لَا لِامْتِنَاعٍ فِي ذَاتِ الْمَرْئِيِّ، بَلْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ ذَاتِهِ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِنَقْصِ وَجُودِهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَعْدُومِ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُرَى [خَارِجَ الرَّائِي] (٦) .
[وَلِهَذَا كَانَ الْبَشَرُ يَعْجِزُونَ عَنْ رُؤْيَةِ الْمَلَكِ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَنْ أَيَّدَهُ اللَّهُ، كَمَا أَيَّدَ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ - وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ٨، ٩] قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: هُمْ لَا يُطِيقُونَ أَنْ يَرَوُا الْمَلَكَ فِي صُورَتِهِ، فَلَوْ أَنْزَلْنَا إِلَيْهِمْ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ فِي صُورَةِ بَشَرٍ، وَحِينَئِذٍ كَانَ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ هَلْ هُوَ مَلَكٌ أَوْ بَشَرٌ، فَمَا كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِإِرْسَالِ الْمَلَكِ إِلَيْهِمْ، فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ بَشَرًا مِنْ جِنْسِهِمْ يُمْكِنُهُمْ رُؤْيَتُهُ وَالتَّلَقِّي عَنْهُ، وَكَانَ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ وَالرَّحْمَةِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [سُورَةُ التَّكْوِيرِ: ٢٢] ،
(١) تَعَالَى: زِيَادَةٌ فِي (ع) .(٢) عَزَّ وَجَلَّ: زِيَادَةٌ فِي (ع) .(٣) عِبَارَةُ: " قِيلَ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ " سَاقِطَةٌ مِنْ (ع) فَقَطْ.(٤) فِي (ن) ، (م) الْكَلَامُ هُنَا نَاقِصٌ وَمُضْطَرِبٌ.(٥) ع: (فَقَطْ) : الْعَجْزُ.(٦) ب (فَقَطْ) : الرَّأْيُ، وَهُوَ خَطَأٌ وَجُمْلَةُ " خَارِجَ الرَّائِي " سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute