ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة؛ حتى حزن رسول اللَّه ﷺ -فيما بلغنا- (١) حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل، فقال: يا محمد! إنك رسول اللَّه حقًّا. فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، قال: فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك.
هكذا وقع مطولًا في (باب التعبير) من "البخاري"(٢).
قال جابر بن عبد اللَّه الأنصاري -وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه-:
"بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري؛ فإذا الملَك الذي جاءني بـ (حِراء) جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرُعبتُ منه، فرجعت، فقلت: زملوني زملوني. فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]. فحمي الوحي وتتابع"(٣).
(١) قلت: القائل: "فيما بلغنا" هو ابن شهاب الزهري راوي الحديث عن عروة عن عائشة، فقوله هذا يشعر بأن هذه الفقرة ليست على شرط الصحيح: لأنها من بلاغات الزهري، فليست موصولة: كما في "الفتح"، فتنبه، وكأنه لذلك لم يسقها مسلم في "صحيحه"؛ كما سيذكره المؤلف رحمه اللَّه تعالى، وهو عنده في (الإيمان) (١/ ٩٧ - ٩٨). (٢) رقم (٦٩٨٢)، وساقه في (بدء الوحي) رقم (٣) وفي (التفسير) (٤٩٥٣) دون بلاع الزهري. (٣) أخرجه البخاري بهذا اللفظ رقم (٤ و ٤٩٥٤) عقب حديث عائشة الذي قبله، وأخرجه مفصولًا عنه في مواضع أخرى (٣٢٣٨ و ٤٩٢٥ و ٤٩٢٦ و ٦٢١٤). ثم رواه هو (٤٩٢٢ و ٤٩٢٣ و ٤٩٢٤)، ومسلم (١/ ٩٩) عن جابر نحوه.