للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

خَامِسًا: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ لِكُلِّ يَوْمِ مِنْ رَمَضَانَ نِيَّةً مُسْتَقِلَّةً، بَلْ يَكْفِي - عَلَى الصَّحِيْحِ - أَنْ يَنْوِيَ نِيَّةً وَاحِدَةً أَوَّلَ الشَّهْرِ، إِلَّا إِذَا أَفْطَرَ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ فَقَطَعَ تَتَابُعَ الصِّيَامِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا عَادَ إِلَى الصِّيَامِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ النِّيَّةَ.

• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ فِي "الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ" (ج ٦/ صـ: ٣٥٦): «وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِيْنَ جَمِيْعًا لَوْ سَأَلْتَهُمْ لَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَا نَاوٍ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ إِلَى آخِرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا لَمْ تَقَعِ النِّيَّةُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ حَقِيْقَةً فَهِيَ وَاقِعَةٌ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ قَطْعِ النِّيَّةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَلَا يَسَعُ النَّاسَ الْعَمَلُ إِلَّا عَلَيْهِ».

• وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيْمَا لَوْ نَامَ رَجُلٌ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَسْتَيْقِظْ إِلَّا مِنَ الْغَدِ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَكَذَا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يُفِقْ إِلَّا مِنَ الْغَدِ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَعَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ يَصِحُّ صَوْمُهُ، وَعَلَى قَوْلِ مَنِ اشْتَرَطَ النِّيَّةَ لِكُلِّ يَوْمٍ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ.

سَادِسًا: اخْتَلَفَ أْهْلُ الْعِلْمِ فِي اشْتِرَاطِ تَبْيِيْتِ النِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي صِيَامِ النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَوَقَّتَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى الزَّوَالِ، وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَى هَذَا التَّحْدِيْدِ.

• وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيْثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْفَقْرَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذَا الْمَجْلِسِ، وَأُجِيْبَ عَنْهُ بِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا صَحَّتْ فِي نَهَارِ عَاشُورَاءَ؛ لَكَون الرُّجُوعِ إلَى اللَّيْلِ غَيْرَ مَقْدُورٍ، وَالنِّزَاعُ فِيمَا كَانَ مَقْدُورًا، فَيُخَصُّ الْجَوَازُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِتَعَذُّرِهِ؛ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا سِوَاهُ كَمَنْ نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، وَمَنْ ظَهَرَ لَهُ وُجُوبُ الصِّيَامِ عَلَيْهِ مِنْ النَّهَارِ، كَالْمَجْنُونِ يُفِيقُ، وَالصَّبِيِّ يَحْتَلِمُ، وَالْكَافِرِ يُسْلِمُ، وَكَمَنْ انْكَشَفَ لَهُ فِي النَّهَارِ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ.

• وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيْثِ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ: «يَا عَائِشَةُ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ. قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ».

<<  <   >  >>