الْمَجْلِسُ التَّاسِعَ عَشَرَ: فِي فَضْلِ الاعْتِكَافِ وَذِكْرِ أَهَمِّ أَحْكَامِهِ
• الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ تَفَرَّدَ بِالدَّيْمُومَةِ وَالْبَقَاءِ، وَكَتَبَ عَلَى مَنْ فِي هَذِهِ الْبَسِيْطَةِ الْفَنَاءَ وَالتَّلَفَ، وَقَدَّرَ عَلَى عِبَادِهِ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاءَ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَبَسَ نَفَسَهُ عَلَى طَاعَهِ رَبِّهِ وَوَقَفَ، فَكَانُوا هُمُ الْأَحْرَارَ الطُّلَقَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْعِنَانَ لِنَفْسِهِ فِي شَهَواتِهَا وَاعْتَسَفَ، فَصَارُوا لِأَنفُسِهِمْ وَلِلشَّيْطَانِ أَرِقَّاءَ غَيْرَ عُتَقَاءَ، أَحْمَدُهُ حَمْدَ عَبْدٍ بَاءَ بِذُنُوبِهِ وَاعْتَرَفَ، وَأَظْهَرَ النَّدَمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ وَالْأَسَفَ، فَاغْفِرْ وَارْحَمْ وَتُبْ يَا خَيْرَ مَنْ تَجَاوَزَ وَعَفَا وَلَطَفَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوْهِيَّتِهِ وَفِيْمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ وَسَمَّاهُ بِهِ رَسُولُهُ الْمُبَلِّغُ عَنْهُ وَوَصَفَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، جَلَا اللهُ بِهِ الْغُمَّةَ وَكَشَفَ، وَهُوَ خَيْرُ مَنْ وَحَّدَ وَصَلَّى وَصَامَ وَقَامَ وَتَصَدَّقَ وَحَجَّ وَاعْتَمَرَ وَاعْتَكَفَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الَّذِيْنَ حَازُوا الشَّرَفَ، وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ ذَبَّ اللهُ بِهِمُ السُّوْءَ عَنِ الدِّيْنِ وَصَرَفَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ أَهْلِ الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ وَنِعْمَ السَّلَفُ، وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ وَاقْتَفَا أَثَرَهُم مِنَ الْخَلَفِ، أَمَّا بَعْدُ:
• إِخْوَانِي فِي اللهِ، إِنَّ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ تُوْشِكُ أَنْ تُظِلَّنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَجْلِسِ السَّابِقِ أَنَّ مِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِيْهَا أَفْضَلُ الِاعْتِكَافِ، فَهِيَ أَفْضَلُ زَمَنٍ لَهُ.
• وَهَذِهِ وَقْفَةٌ، نَذْكُرُ فِيْهَا أَهَمَّ أَحْكَامِ الْاعْتِكَافِ، فَنَقُولُ - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيْقُ، وَمِنْهُ الْعَوْنُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ -:
أَوَّلاً: تَعْريفُ الاعْتِكَافِ: الِاعْتِكَافُ لُغَةً هُوَ: الْحَبْسُ، وَاللُّزُومُ، وَاللُّبْثُ، يُقَالُ: عَكَفَ عَلَى الشَّيْءِ، أَيْ: حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، وَلَازَمَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ خَلِيْلهِ إِبْرَاهِيْمَ، وَهُوَ يُخَاطِبُ قَوْمَهُ: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وَقَوْلُهُ فِي شَأْنِ بَنِي إِسْرَائِيْلَ: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.