• وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَاشَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]: الْجِمَاعُ. (١)
• وَإِنْ كَانَتْ الْمُبَاشَرَةُ أَوِ الْقُبْلَةُ بِشَهْوَةٍ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمُعْتَكِفِ، وَفِي فَسَادِ الِاعْتِكَافِ بِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ الْبُطْلَانَ بِالْمُبَاشَرَةِ بِشَهْوَةٍ فِيْمَا دُونَ الْفَرْجِ، أَنْزَلَ، أَوْ لَمْ يُنزِلْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ الْبُطْلَانَ بِالْإِنزَالِ، وَمِنْهُم مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ مُطْلَقًا. (٢)
• وَأَمَّا التَّزَوُّجُ فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّزْوِيْجُ وَشُهُودُ النِّكَاحِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلْمُعْتَكِفِ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي "الْمَجْمُوعِ" (٦/ صـ: ٥٢٧) عَدَمَ الْخِلَافِ فِيْهِ.
٢. وَيُفْسِدُ الاعْتِكَافَ أَيْضًا: الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَأَمَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَلَهُ الْخُرُوجُ لَهُ، بِالْإِجْمَاعِ، نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" (٣/ صـ: ١٩٢).
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَوْ بَطَلَ الِاعْتِكَافُ بِخُرُوجِهِ إلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ لَأَحَدٍ الِاعْتِكَافُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَعْتَكِفُ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ: الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ، كَنَّى بِذَلِكَ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ يَحْتَاجُ إلَى فِعْلِهِمَا، وَفِي مَعْنَاهُ: الْحَاجَةُ إلَى الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، وَإِنْ بَغَتْهُ الْقَيْء، فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِيَتَقَيَّأ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَكُلُّ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، وَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُطِلْ، وَكَذَلِكَ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، مِثْلُ مَنْ يَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ لَا جُمُعَةَ فِيهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى خُرُوجِهِ لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ، وَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَيْهَا، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا. ا. هـ.
(١) ذكره الحافظ في "الفتح" (ج ٤/ صـ: ٢٧٢).(٢) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٤٠٣ - ٤٠٤)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١٩٦)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٥٢٤).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.