• وَيَجُوزُ الْوِصَالُ إِلَى السَّحَرِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٦٣، و ١٩٦٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ»، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي، وَسَاقٍ يَسْقِينِ».
• وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَلَا فَضِيْلَةَ فِيْهِ، بَلْ يُفَوِّتُ مُسْتَحَبًّا، وَهُوَ تَعْجِيْلُ الْفِطْرِ.
• قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبرِّ: الْمُوَاصِلُ لَا يَنْتَفِعُ بِوِصَالِهِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلصِّيَامِ.
• قاَلَ: وَلَا مَعْنَى لِطَلَبِ الْفَضْلِ فِي الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ». ا. هـ. (١)
• وَقَوْلُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»، مَعْنَاهُ: أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ فِيْهِ قُوَّةَ مَنْ طَعِمَ وَشَرِبَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ مُّوَاصِلًا.
• وَفِي حَدِيْثِ أَنَسٍ ﵁: «إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
• وَهَذَا مِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَيَقْطَعُ كُلَّ نِزَاعٍ، فَإِنَّ (ظَلَّ) لَا يَكُونُ إِلَّا فِي النَّهَارِ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ الْحَقِيقِيُّ فِي النَّهَارِ، بِلَا شَكٍّ. قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀.
• وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: الْمُرَادُ بِهِ: مَا يُغَذِّيهِ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعَارِفِهِ، وَمَا يُفِيضُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَذَّةِ مُنَاجَاتِهِ، وَقُرَّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ، وَتَنَعُّمِهِ بِحُبِّهِ وَالشَّوْقِ إِلَيْهِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ.
• قَالَ: وَقَدْ يُقَوِّي هَذَا الْغِذَاءُ حَتَّى يُغْنِيَ عَنْ غِذَاءِ الْأَجْسَامِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، كَمَا قِيلَ:
لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا … عَنِ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ
(١) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٣٦)، والحديث متفق عليه عن سهل بن سعد ﵄، وقد تقدم.
(٢) البخاري (رَقْم: ٧٢٤١)، ومسلم (رَقْم: ١١٠٤).